«الإرهاب وضحاياه» في بيان الجيش اللبناني

05.تموز.2017

حرص الجيش اللبناني، في روايته حول الهجمات التي نفذها جنوده ضد مخيمات للاجئين السوريين في عرسال، إلى استدراج العنصر الأهلي للجماعة التي يستهدفها، متقصداً بذلك الخلط بين ساكني الخيم منزوعي الحصانة القانونية، و«الإرهابيين» الذين يستمد منهم تعريفه الأخير لنفسه.

تعريف، ظاهره «حماية الوطن» وباطنه التناوب بين تطبيق تعليمات دول مهووسة بمحاربة «الإرهاب»، وإرضاء تناقضات الطبقة السياسية المحلية. والأخيرة، إذ اتفقت على تأجيل خلافاتها المفتعلة أصلاً، وجدت في اللاجئ عدواً مثالياً، وتدرجت في لغة عدائه قياساً بالحال الطائفي، الذي ينطوي عليه جمهورها. فالبيان الصادر عن قيادة الجيش زج بطفلة قتلت أثناء الهجمات، جاعلة إياها معادلاً عائلياً للانتحاري، ذاك أن تقارير كتبها صحافيون مقربون من الأجهزة الأمنية، كشفت أن الطفلة ابنة اخ أحد الانتحاريين، وسقطت بسبب تفجيره حزاماً ناسفاً. اللاجئ «الإرهابي»، كما تصوره الرواية العسكرية، وما استتبعها من خيال إعلامي مخطط له، ليس قاتل نفسه فحسب، بل أفراد عائلته، خطره فائض ليشمل المخيم كله، ما استلزم مسح المكان وتخريبه حرقاً وهدماً.

والعائلة – الأهلية، في البيان المذكور، ترمي أيضاً إلى جعل الطفلة شريكة في شبهة «الإرهاب»، وحصر «القاتل» و»ضحيته» في حيز واحد. «الإرهابي» لاجئ وكذلك الطفلة، من مكان واحد يخرج الاثنان وللتخلص من هذا «المرض» لابد من الاستئصال.

وإذا كان الانتحاري مؤبلس بطبيعة الحال بحكم موقعه، فإن الضحية، أي الطفلة، ليس بعيدة عن صورة عمها، فهي المستهدفة من قبل حملة إعلامية عنصرية، ما انفكت تستعدي كل اللاجئين وتصنفهم كأعداء متساوين في الشر، فلا فرق بين نازح وآخر إلا في درجة ضرره. والحملة تلك، تدرجت تبعاً للأحداث الأمنية التي ارتبطت باللاجئين، فقسمت هؤلاء بين «إرهابيين» و»إرهابيين محتملين»، وإن انتمى العم إلى الصنف الأول، أدرجت الطفلة مع الفئة الثانية، لينال الاثنان مصيراً واحداً.

هذا التعسف اتسع كذلك ليشمل المعتقلين، هؤلاء إذ أغفلهم بيان الجيش، تكفل بهم إعلاميوه والمروجون لروايته، فنسبوا زوراً رجالا مذلين ومهانين، إلى تنظيمي «الدولة الإسلامية» و»النصرة». والفرق الزائل بين معتقل و»إرهابي» هو نفسه الذي يماهي بين طفلة وعمها. ثمة استواء صلب لا يحتمل أي تمايزات أو اختلافات. الأطفال والانتحاريون والمعتقلون واحد لا ينفصل، جوهره لاجئ سوري يهدد البلد ويستجلب إليه الخراب. لاجئ، بات ضحية مستويين من الكراهية، الأول مصدره صورة نمطية حيال السوري في لبنان، تمزج بين رجل الأمن والعامل، فيما الثاني يتأتى من الحملة التحريضية التي تستثمر بكل الضغوط الاقتصادية التي تسبب بها النزوح الأخير. والحال فإن المستويين متكاملين، يستدعي كلاهما الآخر لتغذية صورة «العدو».

والجيش الذي يصادر «حزب الله» وظيفته المركزية، وجد في اختلاط اللجوء والإرهاب، فرصة مثالية لتقديم شهادة حسن سلوك أمام الدول التي تدعمه لوجستياً، وتزعم محاربة «الإرهاب». والمحاربة هنا، فعل أمني – استخباراتي، تتعمم في ظله صورة «الإرهابي» ليصبح بيئة واجتماعا، فيتداخل المدني بالعسكري، والخيمة بالمتراس، والسلاح بأدوات الطبخ، ويغدو الكل هدفاً مباحاً. اقتحام المخيمين في عرسال لم يشذ عن هذه القاعدة، بل هو تطبيق حرفي لها بنسخة لبنانية، جرت تغذيتها عبر حملات منظمة اشتركت في صناعتها الطبقة السياسية بمختلف تلاوينها. انمحت الخلافات بين معسكري 14 و8 آذار، توحد الخطاب، وعقدت الطوائف هدنة بإيعاز من قادتها، الذين انصرفوا لاستكمال هواياتهم في تمرير توريث أولادهم وصفقات الفساد وتفصيل قوانين انتخاب على مقاساتهم. وكان اللاجئ ضحية الصفقة فهو الغريب «العدو» الذي يمكن أن يتحمل أخطاء البلد وخطاياه، أمام الرأي العام، فيمتص نقمة الشارع ويستوعبها أفعالاً عنصرية تتكرر بشكل دوري.

والدفاع عن الجيش، بوجه الانتهاكات التي ترتكبها عناصره ضد اللاجئين، وإن تمظهر في فلكلورية لبنانية مملة ومعدومة الخيال، فهو في وظيفته المراد أداؤها دفاعاً عن الطبقة السياسية وارتباطاتها مع الدول المحاربة للإرهاب، لتستوي المعادلة بضرب اللاجئ الذي اختير من قبل السياسيين قرباناً لاستكمال لعبة الحكم بكل منافعها، ورشوة المجتمع بإطلاق يد أفراده لممارسة عنصرية مقززة ما يظهر من نتائجها أقل بكثير مما يحدث في الواقع.

  • اسم الكاتب: إيلي عبدو
  • المصدر: القدس العربي
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة