«قسد» حين تعمل على جمع الضحايا

30.تموز.2017

أثارت صورة نشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي لمقاتلين في «قوات سورية الديموقراطية» (قسد) يرفعون شارات وأعلاماً لما يعرف بأنه رموز وأعلام «المثليين»، ردود أفعال متباينة بين مؤيّد وشاجب. وبدورها سارعت «قسد» إلى نفي الموضوع واعتبار أن موضوع تشكيل كتيبة للمثليين هو برمته اختلاق، مع التزامها باحترام حقوق الإنسان بمن فيهم «المثليون»، فيما لم تتشكك بصحة الصورة.

تنهل «وحدات حماية الشعب» و «وحدات حماية المرأة»، وبالتالي «قسد»، من معين «حزب العمال الكردستاني» الإيديولوجي من دون تحرّج أو تهرب، فـ «العمال الكردستاني» الذي بدأ حزباً تحررياً كردستانياً، خاض في التحولات العميقة وتنقّل بين الفلسفات بانعطافات غيّرت فيه الكثير. فالحزب الذي بدأ ستالينياً لجهة التنظيم وبول بوتياً لجهة فرض الطقوس الطهرانية في ما يتعلق بمنع التدخين والكحول وتحريم العلاقة الجسدية وما إلى ذلك من حركاتٍ ترميزيّة في الكلام والتحية، تحوّل تدريجياً إلى صورة تحاكي الحركات اليسارية المعاصرة وأحزاب الخضر في الغرب، وتبدّل الحال هذه فرضته انعطافاتٌ جمّة ليس آخرها اعتقال أوجلان وتقديمه مراجعاتٍ فكرية ونصوصاً تدين الكثير من مسالك الحزب القديمة وممارساته، وتعديلاتٍ كبيرة في سياساته وإستراتيجيته. فالحزب كان الحزب الكردي الوحيد في حقبة التسعينات الذي ينادي بتحرير وتوحيد كردستان خلافاً للأحزاب الكردستانية الأخرى التي ترمي إلى انتزاع الحكم الذاتي، لكنه سرعان ما نحا إلى مطالبٍ مشابهةٍ لحركات الحكم الذاتي الكردية فألغى موضوعة التحرير والتوحيد واستبدلها بمشاريع من قبيل تآخي الشعوب، وذم النموذج القومي.

وراهناً تبدي المنظومة الفكرية للحركة الأوجلانية (الآبوجية) اهتماماً كبيراً بمسائل النسوية وتمكين المرأة، وقدراً مهماً من الاكتراث بحقوق الأقليات الاجتماعية كالمثليين والأناركيين واللادينيين وسواهم، فضلاً عن تحالف الأقليات الدينية والقومية.

هذه الصورة وجدت ضالتها خلال الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة عند «حزب الشعوب الديموقراطية» في تركيا، أي الحزب الذي يمثّل «العمال الكردستاني» في الحقل السياسي والانتخابي التركي، والذي نجح في تخطي عتبة العشرة في المئة بفضل تحالفاته تلك.

ففي بداية صعود «حزب العدالة والتنمية»، أبدى رجب طيب أردوغان في لقاءات إعلامية اهتماماً بالحريات العامة ومن ضمنها موضوع المثليين وحقوقهم، وكذا موقفه من دور البغاء وغيره من المواضيع التي قد تتحرّج منها الأحزاب المتدثرة بعباءة الدين. لكن انزياح الحزب نحو الخطاب الديني القارّ وتفضيله الخطاب الشعبوي وإهماله حقوق الأقليات الاجتماعية، دفع غريمه الكردي إلى تلقف المسألة وتبنيها حتى غدا «حزب الشعوب الديموقراطية» الحزب الوحيد في تركيا الذي يتبنى حقوق الأقليات الدينية والقومية والاجتماعية، ومن ضمنه الجماعات الاناركية والنسوية والمثليون.

تدأب «قسد» بما هي متأثرة بمعين الأوجلانية، إلى تقديم نفسها نقيضاً لـ «داعش» والحركات الإسلامية الراديكالية. فهي تقاتل في الرقة لا بقوتها العسكرية فحسب بل بعدةٍ تحاكي خيال الغرب، وهذا أمرٌ على رمزيته كفيلٌ باستحضار الدعم والتضامن اللازمين. فهناك الآن كتيبة الإيزيديات القادمات من سنجار واللواتي تعرّضت قريباتهن وصديقاتهن للاختطاف (السبي)، وهناك المقاتلون من الجنسيات المتعددة (المقاتلون الأمميون)، وعناصر من قوميات مختلفة من كرد وعرب وآشوريين سريان وتركمان. هذا التعدد المهول يقود خيال واحدنا إلى استذكار فكرة الجيوش الملحمية المتعددة الأقوام والعناصر والفئات كجيوش الإسكندر المقدوني أو هاني بعل!

في وقتٍ لاحق تناقل الإعلام الغربي صوراً بثتها مؤسسات داعش الإعلامية لمن قيل عنهم أنهم مثليون تم رميهم من علو شاهق في الموصل والرقة، وقد نعثر على صورة مماثلة في تراث بعث العراق حين أمر صدام حسين برمي بعثيين في البصرة من علٍ إذ قيل عنهم أيضاً أنهم مثليون، وهو سلوك قد يوجد مثيله في كتب العقاب في العصور الإسلامية الغابرة.

في الحالتين استُخدم المثليون مادة إعلامية تكشف مرةً عن غلظة يبديها «داعش» وعن تسامح مبالغ فيه عند «قسد». وفي مطلق الأحوال فإن الحرب في سورية تبيح استحضار تجارب الجوار الخشنة والناعمة وتبيح استخدام القضايا كلها لأجل تحقيق الفوز.

مع ذلك يصح القول إن «قسد» لن تكتفي بهزيمة داعش عسكرياً بل هي ترمي إلى تحقيق نصرٍ معنويٍ يجاري العسكري، عبر استنهاض الضحايا كلهم وتجميعهم ابتداءً بسبايا سنجار والنسوة المكلومات تحت ظلّ الخلافة وصولاً إلى آخر عناقيد الضحايا أي المثليين. ولمَ لا وهي تتكئ الآن على مفاهيم إيديولوجية جديدة تبيح لها ذلك.

  • اسم الكاتب: شورش درويش
  • المصدر: الحياة اللندنية
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة