أردوغان والسيسي في الرياض

05.آذار.2015

منذ وفاة العاهل السعودي الراحل عبد الله وتولي الملك سلمان بن عبد العزيز، توالت المؤشرات حول عودة الدفء إلى العلاقات السعودية – التركية. مع زيارة العمرة التي أداها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتقى خلالها الملك سلمان، تعزز هذا الاتجاه نحو طي صفحة الخلافات بين البلدين التي بدأت منذ انقلاب الثالث من تموز/يوليو 2013 في مصر.
لا نعرف ما إذا كان التزامن بين زيارتي الرئيسين المصري والتركي إلى الرياض مقصوداً أو مدبراً من قبل الأطراف الثلاثة، لكن المؤكد أن القيادة السعودية الجديدة ترغب في إجراء مصالحة بين الرئيسين، بوصف ذلك ركناً مهماً من أركان رص صفوف «محور اقليمي سني» في مواجهة خطر التمدد الهائج لإيران من العراق إلى سوريا فلبنان واليمن وصولاً إلى مضيق هرمز الذي شهد مؤخراً مناورات بحرية إيرانية كانت بمثابة تحدٍ لدول المنظومة الخليجية بقيادة السعودية.
غير أن الرئيسين لم يجتمعا معاً، والتقى كل منهما بمضيفهما السعودي بصورة منفصلة. وهذا يعني أن حل الخلاف بينهما سيحتاج إلى زمن، مهما كانت النوايا السعودية بهذا الشأن.
الواقع أن الخلاف المصري ـ التركي ليس الهم الوحيد لدى القيادة السعودية الجديدة، ولا الأهم أو الأكثر الحاحاً حتى. فهناك جملة من التحديات المطروحة على المملكة، لا يمكنها مواجهتها معاً وحدها. وإذا كان من شأن التسريبات الخاصة بمكالمات السيسي، وتضمنت إساءات إلى السعودية ودول الخليج، أن تجعل هذه الأخيرة تعيد النظر، ربما بعد فوات الأوان، بدعمها المطلق والسخي للرئيس الانقلابي، فهذا قد لا يترتب عليه بصورة أتوماتيكية إعادة النظر في موقفها من الإخوان المسلمين. إذا ترجمنا ذلك إلى مفردات الدول يمكننا القول إن الفتور المحتمل مع السيسي قد لا تقابله حرارة عالية مع أردوغان. ربما هذا هو المغزى من تزامن زيارتي الرجلين للقول إن القيادة السعودية الجديدة ابتعدت قليلاً عن مصر السيسي واقتربت قليلاً من تركيا أردوغان، من غير القطع مع الأولى ولا الاندفاع الحار نحو الثانية.
لكن الأهم من تحديد «مسافات الود» هذه، هو التحديات التي تواجه الدول الثلاث، ولكل منها أولويات مختلفة بشأنها. فمن زاوية النظر السعودية ارتفع موقع الخطر الإيراني، في الآونة الأخيرة، بالمقارنة مع خطر الإسلاميين، الجهاديين منهم والإخوانيين على التوالي. ربما هذا ما جعل التقارب المستجد مع القيادة التركية ممكناً. فالانقلاب الحوثي في اليمن على السلطة الشرعية المفترض أنها محمية بالمبادرة الخليجية، رفعت منسوب الخطر الإيراني في الغريزة السياسية السعودية، ليتراجع بالقياس إليه خطر الإخوان المسلمين وخاصةً بعد انقضاء نحو عامين على التخلص من حكمهم في مصر. يضاف إلى ذلك التقارب الأمريكي ـ الإيراني الذي لا يمكن للسعودية أن تستقبله بلا مبالاة. فإذا أضفنا انخراط الحرس الثوري الإيراني، بصورة مباشرة وعلنية في الحرب السورية، والتحالف الموضوعي الأمريكي ـ الإيراني في الحرب على داعش في العراق، واستمرار حزب الله في تعطيل الحياة السياسية في لبنان، بات مفهوماً أن ينسى السعوديون الإخوان المسلمين، وكذا خلافاتهم مع أردوغان، ليركزوا جهودهم على البحث عن سبل مواجهة إيران.
بالمقابل، لا تحظى مواجهة التمدد الاقليمي لإيران بأولوية في الأجندتين المصرية والتركية. مصر السيسي تواصل خوض حربها على التيار الإخواني وتطالب بتشكيل قوة عسكرية عربية «لمواجهة الإرهاب» الذي لم تسلم من الاتهام المصري به حتى حركة حماس الفلسطينية الإخوانية.
أما تركيا أردوغان فهي، على النقيض من مصر السيسي، ما زالت تحلم بحكم إخواني في دول الربيع العربي يكون بمثابة الجسر إلى إحياء النفوذ الامبراطوري للدولة العثمانية في شروط القرن الواحد والعشرين.
أولويات الأمن القومي التركي، بالنسبة لحكومة أردوغان، هي حزب العمال الكردستاني، وفرعه السوري «حزب الاتحاد الديموقراطي» وليس داعش أو المنظمات الجهادية الأخرى من بيئة القاعدة، ولا طبعاً إيران، إلا بقدر وقوف الدولتين على جبهتي الصراع في سوريا.
للدول الثلاث، من جهة أخرى، مشكلات مع السياسة الأمريكية. ففي الوقت الذي يواصل فيه أردوغان معاندته للضغوط الأمريكية بشأن المساهمة التركية المطلوبة أمريكياً في الحرب على داعش، لا يبدو نظام السيسي مرتاحاً للانتقادات الأمريكية بصدد انتهاكاته لمعايير حقوق الإنسان، في حين تشارك السعودية في الحرب الجوية على داعش، لكنها في قلق وجودي من التقارب الأمريكي ـ الإيراني الذي بلغ حد رفض الإدارة الأمريكية نقل سفارتها في اليمن من صنعاء المحتلة من قبل أتباع إيران الحوثيين إلى عدن عاصمة الحكومة اليمنية الشرعية، بخلاف ما فعلته عدة دول أوروبية.
بنيامين نتانياهو أيضاً في غاية الاستياء من التقارب الأمريكي ـ الإيراني.
هذا ما دفعه إلى زيارته الفضائحية إلى واشنطن وخطابه الاستفزازي أمام الكونغرس الذي قاطعه نواب حزب الرئيس، في سابقة هي الأولى في العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية. أقصد أن لجميع الحلفاء التقليديين لواشنطن في الشرق الأوسط مشكلة مع سياسة أوباما، إضافة إلى الحزب الجمهوري في الداخل الأمريكي، وربما قسم من الحزب الديموقراطي نفسه (هيلاري كلينتون مثلاً).
القيادة السعودية المعروفة تاريخياً ببطء استجاباتها السياسية وضعف قابلية التغيير والمناورة في سياساتها، تواجه اليوم مخاطر وجودية متعددة، إيرانية وجهادية و«ربيع عربي»، في ظل عدم تفهم حليفها الاستراتيجي (الولايات المتحدة) لمخاوفها وهمومها. لعلها تسعى إلى نوع من «ترتيب البيت الداخلي الاقليمي» مع دول المنظومة الخليجية أولاً، ومع مصر وتركيا، ركنا «تحالف سني» مفترض في مواجهة الهجمة الإيرانية ـ الشيعية المقبولة أمريكياً.

  • اسم الكاتب: بكر صدقي
  • المصدر: القدس العربي
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة