أمريكا تربك المحور الروسي في سوريا

20.شباط.2018

ما تزال روسيا وإيران وسوريا يعتمدون مبدأ الحرب امتداد للسياسة وإن بوسائل أخرى، ولم يدركوا بحكم آليات الفهم السائدة لديهم من جهة وخبراتهم التاريخية الفاقدة للديمقراطية من جهة ثانية، أهمية التسويات الكبرى التي تقوم على مبدأ المصلحة المشتركة.
 
هكذا أقدمت روسيا بعيد فشل سوتشي إلى شن حملة عسكرية مجنونة على إدلب، وهكذا يقدم النظام السوري على تدمير الغوطة الشرقية، وهكذا أقدمت إيران على خطوتين الأولى في ديرالزور والثانية عند الحدود مع الاحتلال الاسرائيلي.
 
إن مبدأ الحرب امتداد للسياسة قد يعبر عن فائض في القوة أحيانا، لكنه يعبر عن ضعف وارتباك أحيانا أخرى، وأفعال الأطراف الثلاثة آنفة الذكر لا يمكن إدراجها ضمن فعالية القوة بقدر ما هي انعكاس لحالة التوتر والارتباك.
 
الروس في عنق الزجاجة، قدراتهم العسكرية الكبيرة لم تمنحهم قوة سياسية، بل على العكس أوقعتهم في مأزق كبير، فلا هم قادرين على وقف المعارك ولا هم قادرين على فتح باب السياسة، ومع كل سد يقابلهم يلجؤون إلى النظام وإيران، وتركيا، فتكون روسيا الكبيرة أسيرة أطراف محلية وإقليمية.
 
إيران المحكومة بسقف لا تستطيع تجاوزه في سوريا (روسيا)، وبعدو يتربص بها (الولايات المتحدة)، وبحليف لا يمنحها كل ما تريد (النظام السوري)، وجدت نفسها مضطرة إلى اجتراح أساليبها الخاصة وإن كانت ذات تكلفة باهظة على سوريا الضعيفة.
 
المكان كان خطأ لجهة ديرالزور أو لجهة الحدود مع الاحتلال الإسرائيلي، والزمان أيضا كذلك، في وقت تعاني إيران من اضطرابات داخلية أحد أهم عناوينها  تكاليف التدخل في سوريا، وفي وقت تكافح أيضا للحفاظ على منجزات الاتفاق النووي مع الغرب.
 
لكن الحادثتين يصعب ربطهما مباشرة بإيران وإن بدت كذلك في الظاهر، فالجغرافيا السورية اليوم تعج بأجندات متضاربة ومتقاطعة بحيث يصعب تحديد دقة التداخلات/ التخارجات بينها، ويصعب الربط بين ساحات الصراع غير المتصلة.

من الواضح أن هجوم دير الزور وإرسال الطائرة المسيرة إلى الجنوب تم بالتوافق مع موسكو ودمشق على الأغلب، فالأهداف المرجوة من هذين الهجومين تتجاوز المصالح الإيرانية.

بالنسبة لروسيا التي تعرضت لضربات موجعة مؤخرا (هجوم حميميم، فشل سوتشي، إسقاط سوخوي 25،)، ما كان لها أن تمرر ذلك من دون توجيه ضربات غير مباشرة للولايات المتحدة بسبب عدم قدرتها على الاشتباك المباشر.

إن قراءة سريعة للتصريحات الروسية بعيد الضربة الأمريكية في ديرالزور والرد العسكري الإسرائيلي تؤكد أن الروس على علم بكل شيء قبل حدوثه، لأن تجاوز الإيرانيين لخطوط الاشتباك في ديرالزور من دون علم الروس غير ممكن لما له من تأثير سلبي على موسكو لناحية ظهورها بمظهر العاجز غير القادر على ضبط التفاهمات مع واشنطن.
 
وبالنسبة للجنوب، إما أن إيران تفاهمت مع الروس حيال محاولة تغيير قواعد الاشتباك مع إسرائيل، أو أنها تصرفت بمفردها لمحاولة إرباك الساحة الإقليمية والدولية، وفي كلتا الحالتين تعبر الخطوة عن تراجع في القدرة الروسية لمستها إيران بوضوح.
 
من مصلحة موسكو إظهار قوة حلفائها على الأرض خصوصا في وجه إسرائيل الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة.
 
المقاربة الروسية تقوم على التالي: روسيا تتفهم المخاوف الإسرائيلية، فلا تمنعها من شن ضربات عسكرية، ولكن بالمقابل لا تلبي طلباتها في الجنوب السوري.
 
ولما كان التفوق العسكري الإسرائيلي كاسحا، عمدت روسيا إلى تعزيز القدرات العسكرية السورية، وهذا ما أعلنته صراحة "قناة حميميم المركزية" حين أكدت "أن إسقاط الطائرة الإسرائيلية ليس أمرا مفاجئا.. في الآونة الأخيرة عملت القوات الروسية على تطوير قدرة الدفاعات الجوية للقوات السورية لتصبح قادرة على استهداف الطائرات التي تخترق أجواءها".
 
وفي وقت سابق أعلن نائب قائد القوات الجوية والفضائية الروسية سيرجي يشيرياكوف عن توحيد نظم الدفاع الجوي من خلال دمج نظم الاستخبارات الجوية والإنذار المبكر الروسية مع نظيرتها السورية في نظام واحد.
 
إن محاولة تغيير قواعد الاشتباك بين إسرائيل من جهة والنظام السوري وإيران من جهة ثانية من شأنه أن يفجر الأوضاع بإدخال عنصر جديد مباشرة في الساحة السورية، وهذا أمر سيربك المخططات الأمريكية.
 
غير أن العقدة التي لم يحسب لها المحور الروسي حسابا كافيا، هو حجم الرد الأمريكي والإسرائيلي معا، فالهجوم الذي شنه الأمريكيون في ديرالزور تجاوز في قوته حدود الفعل الذي قامت به القوى التابعة لإيران، وكذلك الأمر في الجنوب، فالرد العسكري الإسرائيلي الهائل تجاوز حدود طائرة الدونر.
 
لقد استطاعت إسرائيل تدمير جزء كبير من الترسانة العسكرية السورية، بما فيها بعض الأسلحة المتطورة، لتتحول سوريا بذلك - وهذه أحد مفارقات التاريخ - إلى حلبة للقتال بعدما كانت على مدار عقود صانعة حلبات القتال خارج حدودها.
 
ستكتفي إيران والنظام السوري بمشاهد إسقاط الطائرة الإسرائيلية في مشهد سوريالي كاف للتمويه على الهزيمة المدوية التي ألحقت بهم خلال أيام قليلة، وستكتفي روسيا بإطلاق تصريحات نارية من جهة واستخدام آلتها العسكرية ضد فصائل المعارضة، الطرف الأضعف في المعادلة السورية من جهة ثانية.
 
ومع كل ذلك، فإن وصول الصراع العسكري الإقليمي - الدولي في سوريا إلى مرحلة الانسداد، قد يؤدي إلى انفجارات مفاجئة من شأنها أن تجعل الصراع أكثر عنفا عما كان خلال السنوات السابقة.

  • اسم الكاتب: حسين عبد العزيز
  • المصدر: عربي 21
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة