أن تكون التسوية في سورية مخرجاً لتهدئة التوتر الإقليمي

13.تشرين2.2017

المعتاد في الأزمات الدولية الممتدة كحالة الأزمة السورية، أنها تزداد تعقيداً كلما زاد التعقد الدولي والإقليمي حولها، كما أن التصعيد فيها يؤدي إلى مزيد من تعقد البيئة ومستويات الصراع المحيط بها. والواضح أن المشهد الإقليمي يزداد تعقيداً وصعوبة، ومِن مظاهر ذلك؛ الصاروخ الباليستي الذي اعترضته السعودية بعد توجيهه نحوها مِن الأراضي اليمنية، والاتهام السعودي الصريح لإيران وحزب الله بالوقوف خلف هذه الخطوة بما تتضمنه من تصعيد عسكري خطير، واستقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وجملة المشهد الإقليمي المعقد، والذي يمكن أن يؤدي إلى تداعيات سلبية على قوس الأزمات التي تتلخص في أن بؤرة الصراع في المنطقة تنتقل من التركيز على الحرب مع «داعش» التي كانت سمة المرحلة الأخيرة؛ إلى شكل آخر أكثر حدة من مواجهة محورها إيران وحزب الله.

وسبق أن أشرتُ إلى أن الأزمة السورية أخذت منحنى جديداً بعد أن قامت الولايات المتحدة بإعادة تمركزها في هذه الأزمة بكلفة قليلة من خلال توظيف المئات مِن القوات الأميركية الخاصة الذين أسبغوا حصانة على قوات سورية الديموقراطية الكردية؛ معتمدين على عنصر الردع المتبادل بين واشنطن وموسكو، تاركة الأخيرة في موقف تجميد إعلان النصر النهائي والقبول بأحد أمرين؛ إما تسوية شاملة تراعي هذا التوازن الجديد وتقبل بدور لواشنطن، أو تقبل هي والحكومة السورية وحلفاؤهما بإنهاء للأزمة بتسوية المنتصر؛ مع وجود كيان كردي مدعوم أميركياً على جزء من الأراضي السورية بتداعيات ذلك التي قد تشمل إقامة قاعدة عسكرية أميركية؛ أياً كان حجمها، بما يرسخ أمراً واقعاً غير محدد المدى.

ومِن الواضح أن واشنطن بدأت التحضير لأجواء مشاركتها في تسوية المسألة السورية، وهو ما يتضح مِن إعلان وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس؛ أخيراً، دعمه إيجاد حل ديبلوماسي للنزاع السوري وأن واشنطن تتطلع ومعها حلفاؤها إلى ما بعد القضاء على «داعش». وكان وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون حدّد سقف الموقف الأميركي في ضرورة إنهاء حكم الرئيس الأسد وعائلته– ومعنى ذلك ببساطة أن واشنطن مستعدة لقبول نفوذ ودور روسي مسيطر على الساحة السورية مقابل حفظ ماء وجهها مِن خلال إنهاء حكم الرئيس الأسد، وليس إنهاء النظام السوري الحاكم، ما يطرح السؤال حول مدى إمكانية تقبل موسكو لهذا السيناريو. وهنا نشير إلى أنه باسترجاع تطورات الموقف الروسي سنجد أنه مرَّ بتطورات عدة، ففي بعض المراحل التي شهدت التراجع الشديد للنظام السوري؛ كانت روسيا مستعدة لهذا السيناريو، فهناك تلميحات روسية إلى تطلع موسكو لإنهاء الأزمة مِن دون إصرار على استمرار الحكم أو الرئيس الحالي. ثم تراجعت موسكو بعد تدخلها الكثيف في أعقاب السيطرة الواسعة للأطراف المتطرفة على مساحات شاسعة من الأراضي السورية، والتراجع التدريجي للأطراف الإقليمية والدولية عن دعم هذه القوى المتطرفة. ونعود إلى ما بدأنا به من أنه مع تزايد الاحتقان الإقليمي ومع تأخر الاتفاق على تسوية شاملة في سورية، وأن يكون هذا الشمول متضمناً الأبعاد كافة التي تهملها مسارات التسوية الحالية، وعلى رأسها إعادة الإعمار وخطة للعودة الكاملة المشرفة للاجئين السوريين مِن دون أي تهديدات، وأن تنجح هذه التسوية في التعامل مع واشنطن وأطراف إقليمية. من دون هذا؛ يزداد خطر انتقال الاحتقان والتوتر إلى الساحة السورية بمستويات عنف جديدة، قد تزيد اشتعال المنطقة.

على أن ما نطرحه هنا هو أن مثل هذا الاحتمال بالغ الخطورة ويستدعي الكثير من الحذر والتفكير غير التقليدي، فالساحة السورية مدجّجة بالسلاح، وعلى أراضيها قوات أميركية وروسية؛ أياً كان حجمها، فضلاً عن قوات لأطراف إقليمية، فقصف مواقع لحزب الله قد يصيب مواقع إيرانية وربما روسية، وحتى لو كان هذا مستبعداً مع التكنولوجيا الحديثة، فالأخطاء ممكنة والحسابات يجب أن تكون دقيقة للغاية، وينبغي ألا نفتح الصراع على منعطفات تصعب السيطرة عليها، وتهدد مَن تبقى مِن الشعب السوري في أراضيه وليس فقط تهدد بتأخير عودة النازحين السوريين إلى ديارهم، فضلاً عن تهديد استقرار المنطقة وأمنها. مِن هنا؛ تأتي ضرورة تطبيق قواعد التفكير الرشيد والبحث عن مخرَج، وفي الواقع ليس مِن طرفٍ سوى روسيا قادر على وضع حد لهذا التوتر، بشرط التحرك الرشيد والسريع. ومفتاح هذا هو ضرورة البحث عما ينهي احتقان المنطقة، وهو عودة إيران تدريجاً إلى حدودها، بل والعمل انطلاقاً مِن ذلك على ذلك، لإعادة بناء علاقات أكثر صحية في المنطقة. وهنا، فإن تسوية الأزمة السورية قد تكون البداية الأسهل في ظل سيطرة روسيا الواضحة على أوراق الأزمة السورية، بإنتاج تسوية شاملة ومنطقية تنقذ الشعب السوري وتنهي معاناته التي طالت وكأن العالم اعتادها مثلما اعتاد معاناة الشعب الفلسطيني. تلك التسوية ينبغي أن تشمل استيعاب فصائل القوى السياسية غير المتطرفة في سورية؛ وتتضمن انتخابات بإشراف دولي يكفل السماح بالكثير من المراجعات، وإعادة دمشق إلى المنظومة الإقليمية والدولية، بالتزامن مع جهود إعادة إعمار سورية، وعودة منظَّمة ومدروسة للاجئين. أما كيف تصبح هذه التسوية وسيلة لإنهاء الاحتقان الإقليمي، فذلك بأن تتضمن خروج إيران وتركيا والميليشيات الأجنبية، والولايات المتحدة، وإكمال سيطرة الجيش السوري على أراضي البلاد، وبخاصة أن المجتمع الدولي قبل نفوذاً روسياً في سورية؛ أحسب أن موسكو ستديره في شكل بالغ الدقة والحذر، وأنه مع اكتمال عودة الدولة السورية لأوضاعها الطبيعية ستقتصر هذه العلاقة على التسهيلات البحرية والمكانة التي ستتمتع بها روسيا؛ ليس فقط في سورية بل إقليمياً، سواء مع حلفائها التقليديين أو مع أطراف المنطقة الأخرى، إذ ستكون قد تمكنت من نزع تدريجي لفتيل التوتر. نعم؛ هو أمر بالغ الصعوبة، خروج إيران وحزب الله من سورية، ولكنه خيار عقلاني قد يتيح فرصة لمقاربات أكثر هدوءاً في المنطقة، وسيتيح بدء توقف سياسات الامتداد الإيراني والانتقال إلى مقاربات جديدة للحوار والبحث عن تعايش إقليمي واحتواء التوتر. وتستطيع روسيا إن تجاوبت الأطراف بلغة العقل والرشادة، أن تقدم ضمانات تحمي المنطقة والعالم من انزلاق إلى منحدرات شديدة الخطورة ومليئة بعدم التيقن. وتحسباً لاحتجاج مَن سيبدي القلق على السيادة السورية، فعليه أن يتذكر أنه لا وجود لها الآن، بل ربما يسمح هذا بترتيبات جادة نحو استعادتها.

  • اسم الكاتب: محمد بدر الدين زايد
  • المصدر: الحياة اللندنية
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة