أوهام النظام التوسعية أنهكت الإيرانيين

17.أيار.2018

ظهرت إيران منقسمة على نفسها، ومضطربة، خلال الأيام القليلة الماضية، كما لم تكن طوال أربعة عقود من عمر «الثورة الإسلامية»، وذلك بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من «خطة العمل الشاملة المشتركة» المعروفة بـ«الاتفاق النووي».

وتسارعت وتيرة وقوّة نزعة التشكيك في قدرة النظام الإيراني على إصلاح نفسه من الداخل، نتيجة الإخفاقات المتتالية في إحداث أي انفراجه في أزمات النظام المركّبة داخلياً وخارجياً. وتفاقم الصّراع داخلياً تحت السطح بين شبكات النفوذ، ومراكز القوة، والتيارات المختلفة داخل النظام الإيراني، حول سبل مواجهة الضغوط الأميركية - الإسرائيلية الجديدة، في ظل استمرار اتساع نفوذ «الحرس الثوري» بشكل تدريجي ومضطرد، وتراجع مؤشرات قوة كل من علي خامنئي، ورئيس الجمهورية حسن روحاني.

وبينما أظهر علي خامنئي، ومن خلفه كبريات المؤسسات الاقتصادية، والتيارات السياسية المقربة منه، رغبةً في التودُّد إلى الشارع، واسترضاء الناس، عن طريق اتخاذ قرارات توصف بأنها تصالحية، أو شعبوية، حاول الرئيس حسن روحاني تعويض النقاط السياسية التي خسرها مؤخراً لصالح «الحرس الثوري» بالاقتراب من «الجيش» النظامي تارةً، والاقتراب من خامنئي تارةً أخرى، سعياً للاحتماء بهما نتيجة الضغوط المتصاعدة من «الحرس الثوري»، بعد أن خسرت الحكومة، أو كادت، المنجز الوحيد الذي تحقق لها، والمتمثل في الاتفاق النووي.

استجابات النظام الإيراني السياسية والعسكرية والاقتصادية للضغوط الأميركية والإسرائيلية الأخيرة، والتي تمثلت في خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، والهجمات الإسرائيلية المتكررة على المواقع الإيرانية في سوريا، أظهرت وجود انقسامات حادّة داخل بنية النظام الإيراني حول السبل المثلى للحفاظ على البقاء في مواجهة هذه التحديات. يمكن القول إنه توجد «أربع إيرانات» متباينة، لديها أربع مقاربات مختلفة، في كيفية الرد على الضغوط الأميركية: إيران خامنئي والمحافظين، وإيران «الحرس» و«أحزاب الله»، وإيران روحاني وحكومة الاعتدال، وإيران البازار والطبقة الوسطى.

وتبدو «إيران خامنئي» محرجة، ومضطربة، وباحثة عن مخرج يحفظ ماء الوجه، ويمنع انهيار الاتفاق والاقتصاد. يشمل هذا الموقف الجهاز القضائي، والمؤسسات التابعة لمؤسسة «بيت القائد» خامنئي، و«مجلس تشخيص مصلحة النظام»، و«مجلس خبراء القيادة»، و«مجلس صيانة الدستور»، وقسماً كبيراً من نواب البرلمان الإيراني. ويعود سبب الإحراج إلى عدم قدرة خامنئي على الوفاء بالوعد الذي قطعه على نفسه، بحرق الاتفاق إذا مزقه الرئيس الأميركي ترامب؛ فقد قال خامنئي، في 15 يونيو (حزيران) 2016، حرفياً: «نحن لا ننتهك الاتفاق النووي، ولكن مرشحي انتخابات الرئاسة الأميركية يهددون بتمزيق الاتفاق. إذا فعلوا ذلك، فإننا سنحرقه».

أما «إيران (الحرس) و(أحزاب الله)» فتدفع باتجاه الردّ على قرار الرئيس ترمب بالخروج من الاتفاق النووي، وترغب في ركوب رأسها؛ وليس هذا بمستغرب، فـ«إيران الحرس» تتغذى في الداخل والخارج على الصراع، وتُراكم ثرواتها من خلال الاحتكار، والانفراد بالأسواق الإيرانية، ولا تريد أي انفتاح ينتهي بجلب من ينافسها على مكتسباتها.

وداخل «إيران الحرس» هناك «إيران سليماني» التي تحكمها في هذا التصعيد اعتبارات أخرى لا علاقة لها بمصالح الشعب الإيراني، بل هي اعتبارات «حفظ ماء الوجه» أمام عشرات الوكلاء الإقليميين، من ميليشيات وأحزاب تقاتل تحت راية «فيلق القدس»، وتطالبه بردّ الصفعات الإسرائيلية المتتالية. إن استمرار النفوذ الإقليمي لـ«فيلق القدس» مرهون بهذه المُنازلة.

أما «إيران روحاني» فتسعى إلى تجاهل انسحاب ترمب، ومواصلة العمل مع الأوروبيين أملاً في الإبقاء على منجزها اليتيم الذي تحقق خلال سنوات ولاية روحاني. لم تنجح الابتسامات العريضة والصور ذات المؤثرات الدبلوماسية المدروسة بعناية، مع جون كيري وأقرانه، في تثبيت أي منجز على الأرض. نسف الرئيس ترمب كل شيء بجرّة قلم.

وأخيراً تفضّل «إيران البازار والطبقة الوسطى» الخضوع لإعادة التفاوض مع الإدارة الأميركية الجديدة، وحل الملف جذرياً. ويبدو أن هذا الرأي يمثل وجهة نظر أغلبية ساحقة من الشعب الإيراني الذي أنهكته مطاردة النظام لأوهامه الرسالية والتوسعية، أو على الأقل هكذا تُظهر لنا مُسوحات الرأي في وسائل التواصل الاجتماعي.

  • اسم الكاتب: محمد الزغول
  • المصدر: الشرق الأوسط
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة