أية مقاومة وممانعة؟

26.شباط.2017

ما فائدة الأشعار والخطب المنافقة التي تُلقى لتمجيد ما يسمونها الممانعة والمقاومة، إذا كان عائدها الداخلي، الوطني، وممكناتها العسكرية الخارجية في مواجهة ما يسمونه كذباً "العدو الصهيوني"، يتفقان بنسبة مائة بالمائة مع ما يريده هذا العدو لشعوب الممانعين المقاومين وبلدانهم؟ وما معنى ممانعة نظام قاتل إسرائيل أقل من عشرة أيام خلال ثلاث حروب، تلقى فيها جميعها صفعات وركلات مهينة، أدت أولاهما (حرب 1967) إلى احتلال محافظة سورية كاملة، بينما ستمر بعد أقل من شهر ستة أعوام كاملة على حرب النظام الممانع ضد شعبه؟ وكيف تسمّى السياسات المتعايشة مع الهزائم المتعاقبة أمام إسرائيل ممانعة ومقاومة، إذا كان الأسد الأب قد بنى جميع مواقفه بعد 1967 على تحاشي إسرائيل، واستخدم احتلالها الجولان عامل ابتزاز وضغط امتص بمعونته ردود أفعال شعبه على ما أوقعه فيه من كوارث داخلية، كالبطالة والانخفاض المستمر لسعر قوة عمله ولمستوى عيشه، والانهيار الحثيث للخدمات التي تقدم له، والتدهور اليومي لأوضاعه الإنسانية، والتعاظم الملموس لما تعرّض له من قمع طاول حتى الأطفال في أرحام أمهاتهم؟

وكيف يكون ممانعاً إذا كان يخوض حرباً داخلية ضد شعبه، لم يهتم لما يمكن أن يترتب عليها من أوضاع مأساوية بالنسبة لمجتمعه وجيشه، وما إذا كانا سيستطيعان، بعدها أو خلالها، الدفاع عن وطنهما ضد الاحتلال والعدوان، ولماذا، إذا كان ممانعاً بحق، لم يستغل العدو الفرصة لينقضّ عليه، ويتخلص من ممانعته ومقاومته؟

هل حسب حساباً لموقف شعبه منه في أية حرب قادمة، إذا كان قد تعايش سلمياً مع الاحتلال، وقتل ملايين السوريات والسوريين وشوههم وعذبهم وشردهم وجوعهم، لمجرد أنهم طالبوه باصلاح أحواله وأحوالهم؟ وإذا كان النظام ممانعاً بحق، مع من يكون تناقضه الرئيس الذي يملي عليه سياساته ويحدد خطاه، مع شعبه "الوفي" أم مع العدو الذي يحتل أرض وطنه، ويمثل خطراً داهماً على أمنه ووطنه، ولم يتوقف يوماً عن قصف مواقعه وتدمير ما أراد تدميره من قدراته؟ ألا تقول وقائع لا تدحض إن عداءه شعبه أكبر ألف مرة من عدائه إسرائيل التي لم يتوقف منذ خمسين عاماً عن نشر أكاذيبه حول استعداداته الحثيثة لطردها من الجولان، لكنه أبقى حدوده معها آمنةً، وعايشها سلمياً من دون أن يرمي عليها، ولو حصاةً صغيرة، في حين شنّ حرباً شعواء، ولا رحمة فيها ضد مواطنيه العزل، بمجرد أن طالبوه بحريةٍ، يعدهم بها في شعارات حزبه منذ خمسين عاماً؟

وما معنى أن يتذرع أعواماً بافتقاره إلى الذخائر الضرورية، لشن حرب التحرير المزعومة، ثم يشن ستة أعوام حرباً غطت كل شبر من أرض سورية، وجد لها الذخائر الكافية، بل وتباهى، في منشورات جيشه ألقاها على مواطني سورية، باستخدامه ثلاثين نوعاً من الذخائر، لم يسبق لأحد في المنطقة أن استخدم ما يماثلها؟ هل تجوز تسمية الخيانة والجريمة مقاومة وممانعة؟ وهل المجازر الجماعية المتكرّرة ممانعة وصمود؟ وهل من الممانعة أن لا يطلق محورها المزعوم رصاصة واحدة ضد إسرائيل نيفاً وعشرة أعوام في لبنان وقرابة أربعين عاماً في سورية، وأن يدخل حزب الله في الزمن الجولاني/ الأسدي لنظام التكامل الاستراتيجي الطائفي مع إسرائيل الذي يربض على صدر سورية، ويكتم أنفاس شعبها، بعد أن أخرجه من المجال العام، ودمر قواه، وكسر معنوياته، وفرض عليه حجراً قمعياً شاملاً قوّض وحدته، وفرزه إلى قلة موالية منعمة ومتحكّمة، وأغلبية معادية مطحونة يُمعن يومياً في سحقها، لتكون النتيجة بلاداً مدمرة، وجيشاً مهشّماً، ونظاماً متهالكاً، فقد القدرة والجرأة على تحدّي أي عدو غير شعبه. كلما تلقى صفعةً من إسرائيل، كرّر أسطوانته المشروخة حول الرد في زمان لا أحد يعلم متى يأتي، ومكان لم يعثر عليه بعد، ولن يعثر عليه إطلاقاً، فلا أقل من أن يخجل ملالي الكذب في طهران من إلصاق تهمة الممانعة والمقاومة به، لا ليصدّقها الناس، بل لفضحه وبهدلته، وتبيان كم هو بعيد عنهما وجبان.

وبعد هذا كله، كيف يكون ممانعاً من أوصل مجتمعه وشعبه وجيشه إلى دركٍ ما كان العدو الصهيوني ليوصله إلى غيره، لو أنه حكم سورية؟ وما هذه الممانعة التي لا تخدم أحداً غير الصهاينة؟

  • اسم الكاتب: ميشيل كيلو
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة