إدلب.. تركيا.. والمنعطف الأخير

02.أيلول.2018

لم يعد خافياً على كل متابع لما يجري بسورية اليوم، حقيقة انحسار وتراجع المعارضة السورية والفصائل المقاتلة، وتقدم قوات الأسد وبسطها السيطرة على مناطق شاسعة من الأراضي السورية.

البداية كانت من حلب بعد إخراج "أو خروج" المقاتلين منها وماتحمله حلب من أهمية ورمزية حظيت بها منذ بداية المظاهرات السلمية، حيث كان النظام يتباهى ويستقوي بعدم انضمامها للثورة كما يفعل اليوم بعد استعادتها ويعتبر هذا مؤشراً على بداية الانتصارات (!) واستعادة الأراضي من جديد.

خروج حلب من المعادلة كانت انعطافة جديدة وربما تكون بداية المنعطفات في انكسار الثورة السورية وتراجعها، وترجمة للقول المشهور "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض" حيث تتالت الثيران بعد حلب بالانهيار والاستسلام، وربما كان ثور الغوطة هو بداية النهاية الحقيقية وبعد ذلك لم يكن انهيار المنطقة الجنوبية بالأمر الصعب ولا المستحيل، لتبقى إدلب وهي الانعطافة الأخيرة لانحسار الثورة السورية وعودة النظام من جديد ليبسط قوته على كل الحدود والمنافذ البحرية والبرية.

 وهذا مؤشر خطير ويحمل كثيرا من المعاني والتكهنات بمستقبل الملايين من أبناء سورية الذين خرجوا مطالبين بالحرية والكرامة والديمقراطية، ومؤشر أيضا لمستقبل مناطق درع الفرات وغصن الزيتون التي لن يسكت النظام عنها، وستكون خطوته اللاحقة، بل وربما يتجرأ النظام "المنتصر" على إلغاء اتفاقية أضنة مع تركيا والعودة من جديد لدعم لحزب العمال الكرستاني لينتقم من تركيا أيضاَ.

ولم يكن خافياً على أحد أيضاً، أن الدور سيأتي على إدلب، وأن النظام لن يتخلى عنها، وخاصة بعد الإنجازات والانتصارات التي حققها من خلال الحصار وسياسة التجويع والتدمير وإرغام الفصائل على مصالحات المنهزمين في مناطق عديدة من سورية.

وهنا يحق التساؤل بل ويجب على كل متابع وسوري أن يسأل عن الخطة أو الخطوة التي أعدها المشاركون في هذه المفاوضات والمصالحات اعتباراً من الخروج من حلب مروراً بأستانة ومصالحات الغوطة وانتهاءً بمصالحات (!) المنطقة الجنوبية...

هل كان الخروج من حلب والغوطة وباقي الأماكن بناءً على وعود روسية، بأن إدلب ستكون ملاذاَ آمناً لهم!!؟؟ وأنه لن يتم التعرض لها!!؟؟ حتى مثل هذا التعهد - إن وجد - ما كان يجب أن ينطلي على المشاركين لأنه يخالف كل نواميس الكون وطباع الذين يجسلون معهم على طاولات المفاوضات...

أم كان الأمر هو مجرد عمل إسعافي سريع، الغاية منه الحفاظ على أرواح البقية الباقية وتأجيل موضوع إدلب لمرحلة لاحقة...!!؟؟

أي ترحيل المرحلة وربما تسويف المشكلة...!!؟؟

لا يحتاح الأمر لذكاء خارق أو عبقرية سياسية ولا لخبرة استراتيجية لمعرفة مستقبل إدلب وما ستؤول إليه الأمور بعد تمكن النظام من فك الخناق المحكم على رقبته في الغوطة من خلال تقويض الفصائل العسكرية هناك - التي اشتغلت وانشغلت بمحاربة بعضها بدل الاستعداد للمرحلة القادمة - استعادة النظام للغوطة وريف دمشق جعله يتنفس الصعداء ويتسعيد الثقة بالنفس لكي يستمر في خطته التي وصلت لأطراف محافظة إدلب اليوم...

تركيا، وعلى لسان رئيس الجمهورية ومنذ أكثر من شهر صرح بأن هناك أموراً تجري بسورية على عكس ما تريده وتتمناه تركيا، وأن هجوماً عسكرياً على إدلب سيقلب الطاولة في مباحثات أستانة وستعتبر بحكم الملغاة، كان بمثابة إشارة واضحة على ما يطبخ لإدلب وراء الكواليس، كما أن تصريح وزير الخارجية التركي بالأمس أيضاً أن الهجوم على إدلب سيفقدنا نحن ضامني أستانة الثقة بنا أمام بقية الاطراف، هو أيضا إشارة لعمق الخلاف التركي الروسي ووصول المباحثات لنقطة شبه مسدودة... مع العلم أن مراجعة بسيطة لكل ما حدث بمخرجات أستانة توضح أن الضامن الروسي والإيراني لم يلتزما ولم يضمنا سوى كل ما يحقق تقدم النظام وانتصاراته على حساب المعارضة والفصائل المشاركة بأستانة وتركيا الضامنة...

وهنا يمكننا التساؤل من جديد، ما هي الخطة الحالية للمعارضة وتركيا في مواجهة الحشود العسكرية وتطويق محافظة إدلب، واستعداد النظام والميليشيات الإيرانية لاقتحام المحافظة...!!؟؟

هل المجابهة والمقاومة...؟؟

أم الاستسلام والتصالح..؟؟

وما مصير من رفض وسيرفض الاستسلام والمصالحة... وإلى أين سيرحلون هذه المرة...!!؟؟

وما هو مصير غصن الزيتون ودرع الفرات بعد اجتياح إدلب!!؟؟

وهل ستعود قوات البي ي دي لعفرين من جديد وتبدأ بتهديد الحدود التركية؟؟

أسئلة كثيرة وكبيرة، معقدة وحرجة...

ريما يكون الموقف التركي هذه المرة في أضعف حالاته، حيث لم يلتزم الضامن الروسي بأي تعهداته، والضامن الإيراني يطالب تركيا علناً بالخروج من سوريا... روسيا تصر على  قهر المعارضة وإخضاعها للاستسلام، وأمريكا تريد الضغط على تركيا وإشراك قوات الحماية الكردية بالهجوم على إدلب مع قوات النظام... وكثير من المحلليين السياسيين الأتراك – مع الأسف الشديد - يطالبون الحكومة بالتقارب مع النظام وإنهاء الأمر كما يريد... متجاهلين عن قصد أو غير قصد أن النظام هو الذي كان يدعم حزب العمال الكردستاني لعقود من الزمن ضد تركيا، ومتناسين كيف سيكون الحال بعد أن يشعر النظام بالنصر والدعم الروسي والأمريكي له...

وهذا يقودنا لحقيقة طالما ذكرناها مرارا وتكرارا، وهي أن المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري لم تكن تملك الرؤية والخطط والبدائل تجاه كل المتغيرات والاحتمالات والانعطافات التي يمكن أن تعايشها الثورة السورية...

وما أحوج السوريين اليوم لامتلاك رؤية واضحة معلنة محددة...

إدلب هي الانعطافة الأخيرة ولا يزال أهل الأرض يملكون القوة التي قد تغير قواعد اللعبة...

فهل يمكن تدارك الأمر وقلب الطاولة...

أم أن إدلب ستكون بداية النهاية... وبداية مأزق جديد لتركيا، ومأساة وتغريبة جديدة لملايين السوريين...!!؟؟

  • اسم الكاتب: مصطفى حامد أوغلو
  • المصدر: ترك برس
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة