طباعة

إيران في صفقة ترامب وبوتين حول سوريا

26.تموز.2018

منذ إعلان البيت الأبيض والكرملين أن الرئيسين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين سيعقدان أول قمة بينهما في هلسنكي، توقع المراقبون أن تتصدر إيران والموضوعات المتصلة بها أجندة اللقاء، فجاء حديث البعض عن احتمال أن يتوصل الطرفان إلى صفقة "تاريخية" تصبح طهران ضحيتها وكبش فداء لها.

في ظل شحّ أو بالأحرى انعدام المعلومات الموثوقة عن حقيقة ما دار بين الرجلين حول إيران، وبالذات تواجد قواتها في سوريا في القمة التي وصفها دونالد ترامب بـ"النجاح العظيم"، لا يمكن القطع بوجود مثل هذه الصفقة. أما المعطيات الراهنة، فترجح حصول تفاهمات بين الأمريكيين والروس، قد تنتهي لاحقا إلى صفقة بينهم حال نجح الطرفان في تذليل العقبات.

خلال حملته الانتخابية، قطع دونالد ترامب وعدا على نفسه بتحسين العلاقات مع روسيا، لأسباب غامضة، لعل لدور لعبته الأخيرة في فوزه بالانتخابات الرئاسية الأمريكية من خلال التدخل في سير العملية الانتخابية. بالتالي، قمة هلسنكي (والأخرى المحتملة في البيت الأبيض بالخريف) تأتي في سياق تحمس الرئيس الأمريكي لتنفيذ وعده الانتخابي بالدرجة الأولى، ولا علاقة لها أساسا بالموضوع الإيراني. مع ذلك، ترامب في ظل العراقيل الداخلية التي يواجهها للتقارب مع الروس، منها النظرة السلبية أو العدائية للمؤسسة الأمريكية تجاه موسكو، وكذلك ملف "روسياغيت"؛ بحاجة ماسة إلى عنصر مهم لتسويق هذا التقارب. هذا العنصر ليس إلا الموضوع الإيراني الذي تسعى الإدارة الأمريكية من خلال التوصل إلى شبه اتفاق أو صفقة مع روسيا بشأنه؛ لتسويق فكرة تحسين العلاقات الأمريكية الروسية.

روسيا أيضا متحمسة لأبعد الحدود لتحقيق مثل هذا التقارب، لأسباب كثيرة، أهمها رفع العقوبات عنها، والتي كلفتها كثيرا اقتصاديا، حيث أعرب الرئيس الروسي في حزيران/ يونيو الماضي عن أمله بأن يفي ترامب بوعده الانتخابي الخاص بتحسين علاقات بلاده مع موسكو.

أما على أرض الواقع، فالرغبة المتوفرة لدى ترامب وبوتين لا تكفي وحدها لتحقيق اختراق كبير في العلاقات الثنائية وتطبيعها، فثمة عراقيل كبيرة تعترض ذلك. المشكلة ليست في الجانب الروسي، إذ أن الرئيس بوتين يملك وحده القرار في هذا الخصوص، أما نظيره الأمريكي لا يملك مثل هذا القرار لتنفيذ رغبته ووعده الانتخابي، بسبب معارضة المؤسسة الأمريكية. عليه، يستبعد حصول صفقة تاريخية شاملة بين الجانبين على المدى المنظور؛ لأن أركانها لم تكتمل بعد، حيث أن المؤسسة الأمريكية، ولا سيما الأجهزة الأمنية والتشريعية، تعارض بشدة هذا التوجه الترامبي. فبعد يوم واحد من القمة الأمريكية الروسية تحدث بول رايان، رئيس مجلس النواب الأمريكي، عن استعداد المجلس لدراسة فرض المزيد من العقوبات على روسيا، قائلا: "روسيا حكومة تشكل تهديدا ولا تشترك معنا في المصلحة ولا تشترك معنا في القيم".

هذه المعارضة من قبل بعض أركان المؤسسة الأمريكية تحول دون أن تقدّم واشنطن ما يلزم لإنجاز صفقة شاملة مع موسكو، مثل رفع العقوبات بالكامل، ولا سيما تلك التي فرضها الكونغرس الأمريكي. وعلى ضوء ذلك، روسيا أيضا لا يمكنها الذهاب باتجاه صفقة مجانية.

إذن، اليوم لسنا أمام صفقة تحمل صفة التاريخية والشاملة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، فما يمكن أن يحدث في الوقت الحاضر هي صفقات جزئية على شاكلة تفاهمات وتوافقات بين الطرفين، تحت سقف محدد وليس مفتوحا حول بعض القضايا، منها التواجد الإيراني في سوريا.

بيدا أن قمة هلسنكي تناولت موضوع سوريا والوجود الإيراني فيها انطلاقا من مقتضيات الأمن الإسرائيلي، حيث قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمر صحفي مشترك عقب لقائه مع نظيره الروسي "تحدث كلانا مع بيبي (بنيامين نتنياهو) وهما يريدان القيام بأمور معينة مع سوريا تتعلق بسلامة إسرائيل"، مؤكدا أن الولايات المتحدة وروسيا ستعملان معا لضمان أمن إسرائيل.

لا شك في أن "الأمور المحددة" التي قال ترامب إن البلدين سيقومان بها في سوريا لضمان أمن إسرائيل؛ تمثل تهديدا للوجود الإيراني في سوريا. أما السؤال الأبرز هنا: إلى أي مدى يمكن أن يضحّي الرئيس الروسي بالعلاقات مع إيران التي خاضت إلى جانب روسيا معارك طاحنة دعما للحليف السوري؟ فهل سيساوم على الوجود الإيراني في كافة الأراضي السورية، أو في مناطق منها؟ لا إجابة دقيقة على هذا السؤال في الوقت الحاضر، لكن عوامل مصلحية كثيرة، منها العلاقات الروسية الإسرائيلية، ورغبة موسكو في دعم المسار التقاربي للعلاقات مع واشنطن، وتحجيم الدور الإيراني للحصول على حصة الأسد في مرحلة إعادة الإعمار.. من شأنها أن تدفع الرئيس بوتين نحو مساومة مع الإسرائيليين والأمريكان على حساب إيران، لكن ليس في كل سوريا.

روسيا ما زالت بحاجة إلى إيران في سوريا، إذ لم تنته بعد عملية درعا، وهنالك معركة كبرى على الأبواب ضد محافظة إدلب التي تحولت بفعل عمليات التسفير إلى أكبر معقل للمعارضة السورية المسلحة. فضلا عن ذلك، من الصعب بمكان، إن لم يكن مستحيلا، العمل على إخراج إيران من كل سوريا، وحتى إن تعهد بوتين بذلك للأمريكيين، فكيف يمكنه أن يحقق ذلك؟ هل ستنزل طهران عند رغبة بوتين بمجرد أن يطلب الأخير منها ذلك؟ طبعا لا. إذن، هل بإمكان روسيا أن تدخل في صراع عسكري مباشر مع إيران في سوريا لإجبارها على ذلك وتنهي بهذه الطريقة كافة الإنجازات الثنائية المشتركة على مدى السنوات المنصرمة؛ فقط لأجل تل ‌أبيب وواشنطن؟ أيضا غير وارد ذلك بتاتا. أقصى ما يمكن أن تفعله روسيا في هذا الإطار أن تطلق اليد الإسرائيلية للقيام بمزيد من الهجمات ضد القوات الإيرانية في سوريا، لكن مثل هذه الهجمات أيضا لن تنهي الوجود الإيراني. ثم من شأن استمرار تلك الهجمات أن يؤدي إلى مواجهة إسرائيلية إيرانية على الأراضي السورية ترتد سلبا على كل الأوضاع الأمنية فيها، وهذا ما لا تريده موسكو أيضا.

يبقى القول إن علاقات روسيا الوطيدة مع القوى والدول التي تعادي إيران ترجّح كفة المصالح الروسية مع هذه الدول. فعلى سبيل المثال، وفيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية، حجم التبادل التجاري بين روسيا وكل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والسعودية والإمارات، فيتجاوز 50 مليار دولار، أما مع إيران فقرابة ملياري دولار. وعليه، من الطبيعي أن تتجاوب موسكو أحيانا مع رغبات هذه الأطراف الأربعة على حساب إيران، وخاصة عندما يتعلق الأمربرفع العقوبات الأمريكية عن الاقتصاد الروسي. لكن هذه المعادلة لا تعني أن روسيا مستعدة للقيام بما يطيح بعلاقاتها مع إيران برمتها، مما يخل بالتوازن في علاقاتها الشرق أوسطية أولا، ثم يعيد العلاقات الإيرانية الروسية إلى ما قبل عام 2000 ثانيا، وينهي مسار التطور للعلاقات، الذي بدأ منذ بدء بوتين فترته الرئاسية الجديدة هذا العام. ومن جانب آخر، مهما تحقق من تقارب بين موسكو والغرب، وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية، وأيا كانت طبيعة الصفقات المحتملة بين الجانبين حول سوريا وغيرها، لا يمكن أن تشارك روسيا في الجهود الأمريكية والإسرائيلية الرامية إلى تغيير النظام الإيراني؛ لأنها تعلم جيدا أن البديل عنه سيكون نظاما مواليا للغرب يأتي بالناتو إلى الحدود الروسية الجنوبية، وآسيا الوسطى والقفاز، وشواطئ بحر قزوين الغني بموارد الطاقة.

  • اسم الكاتب: صابر كل عنبري
  • المصدر: عربي 21
  • رابط المصدر: اضغط هنا