"الأمم المتحدة" .. من مجزرة البوسنة إلى اقتحام داريا

18.تموز.2016

منذ 23 عامًا، أعلنت "الأمم المتحدة" أن بلدة "سريبرينيتسا"، الواقعة شمالي شرق البوسنا، منطقة آمنة وتحت حماية قوات أممية، فسلّم المتطوعون البونسيون الذين كانوا يدافعون عن مدينتهم بوجه الصربيين أسلحتهم للأمم المتحدة، وبعد عامين تقريبًا وفي 11-07-1995، قامت القوات الصربية بعملية تطهير عرقي ضد مسلمي البوسنا "المعروفين باسم البوشنياق" وهم الأغلبية الساحقة في تلك المنطقة، فوقعت جريمة إبادة جماعية في "سريبرينيتسا"، وعلى مرأى من القوات الأممية، وصفها السيد كوفي عنان عام 2005 بأنها أسوأ جريمة على الأراضي الأوربية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث قتلت القوات الصربية أكثر من 8 آلاف مدني من البوسنيين خلال أيام، وقامت بعمليات اغتصاب ممنهجة للنساء البوسنيات، أثناء اجتياحها للمنطقة.

قبل شهرٍ ونيّف دخلت الأمم المتحدة إلى مدينة "داريا" في غوطة دمشق الغربية، لمعاينة الأوضاع فيها، بوفدين أقل ما يقال عنهما إنهما إهانة لكل المبادئ التي تحملها هذه الأمم، بعد أكثر من أربع سنين تُركت فيها داريا لتواجه كل وكل التجويع والحصار والمنع عن المواد الغذائية والطبية وتواجه البراميل المتفجرة والصواريخ المتنوعة التي جعلتها الصورة الحية لمشاهد لا تُرى إلا في الأفلام الخيالية التي تتحدث عن نهاية الكوكب، ثم قامت قوات نظام الأسد مع حلفائها باقتحام داريا في 11 ـ 07 -2016 إحياءً للذكرى 21 لمجزرة "سريبرينيتسا"، وكانت قد تغافلت الأمم المتحدة عن كل جرائم نظام الأسد وحلفائه طيلة السنوات الفائتة ضد هذه المدينة، ولعل أبرزها كانت مجرزة شهر 05 / 2012.

ومن الملفت أيضًا، دخول عدة وفود من الأمم المتحدة إلى مناطق في غوطة دمشق الشرقية منذ شهرين ونيف، والتي تعاني من الحصار ومحاولات الاقتحام منذ مطلع عام 2013، حيث كانت ما تحمله سيارات الأمم المتحدة لا يكفي لعدة أسر في حي من أحياء الغوطة، ثم بعد أسابيع بدأت عمليات اقتحامٍ للغوطة من قبل قوات الأسد وحلفائها ـ مستفيدةً أيضًا من الصراع الداخلي بين الفصائل ـ، وأصبحت هذه العمليات قاب قوسين أو أدنى من تهديد الغوطة الشرقية كاملة.

لعل 21 عامًا ـ منذ مجزرة سريبرينتسا ـ كانت كافية لتطوير أداء الأمم المتحدة، فلم تعد مضطرةً لوضع مناطق تحت حمايتها ثم تسلميها للمجرمين، بل أصبحت تترك هذه المناطق ليواجه الناس فيها مصائرهم، وتكتفي بإطلالاتٍ لتطمئن أن الناس يموتون على ما يُرام، وأنهم كما ينبغي من العجز والضعف.

يُذكر أن مادلين أولبريت ـ وزيرة الخارجية الأميريكة آنذاك ـ عرضت لمجلس الأمن في جلسةٍ مغلقة 10 / 08 / 1995 ـ أي بعد شهرٍ على مجزرة سريبرينيتسا ـ، صورًا للأقمار الصناعية تُظهر مدافن جماعية لبوسنيين قُتلوا على يد القوات الصربية، لكن المفاجأة أنه تم العثور على 33 جثة، وليس كما ادعت أولبريت حينها أنها لآلالف الجثث، بينما كانت الجثث في مواقع أخرى تم الكشف عنها لاحقًا، ويرى الباحث جورج بمفري في "مذبحة سربينيستا، أخدعة؟" أن: "الحكومة الأمريكية ممثلة بوزيرة خارجيتها حاولت صرف انتباه المجتمع الدولي عن الأماكن الحقيقية لوقوع المجزرة" حيث استخدمت تضليلًا للبحث عن مكان وقوع المجزرة  ودفن الضحايا بدلًا عن ملاحقة مرتكبيها  والدفاع عن الضحايا، كعادة دور الولايات المتحدة في مثل هذه الحوادث، فقد تحدثت هيلاري كلينتون والسفير الأميريكي في دمشق ـ سابقًا ـ روبورت فورد والمتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية فيكتوريا نولاند، كلهم تحدثوا ونعوا وأدانوا مقتل الناشط غياث مطر في شهر 09- 2011 والذي يُعتبر من أبرز نشطاء داريا والثورة السورية، وتركوا قاتليه دون حساب، وتركوا داريا كاملة تُقتل من يوم انتفضت في آذار / 2011 حتى اليوم، مع أنها جسّدتْ أهم ملامح الثورة السورية وأنقاها، وأفضل تجربةٍ لها على معظم الأصعدة، ولكن "داريا" دفعت ضريبة قربها من قصر نظام الأسد، الذي أصبح علانيةً تحت رعايةٍ أممية، وضريبة نقائها الزائد.

 لعلنا لم نفهم بعد الرسالة من هذه الأمم المتحدة، أو لعلها شُكلت حتى تكون على قياس الطغاة لا على قياس الضحايا، فتركُ الناس يُقتلون لا يقلُّ جريمةً عن قتلهم.

  • اسم الكاتب: محمود الطويل

الأكثر قراءة