الخوف توأم السوريين

06.تشرين2.2014

كانت الثورة السورية حدثاً استثنائياً عصيّاً على التحليل، مفاجئاً ومباغتاً، إلى حد لم يكن يتنبأ به أحد، وأول المتفاجئين كانت السلطة التي تعرف شعبها جيداً، والتي تعرف ماذا فعلت به في العقود الماضية. السلطة التي زرعت الخوف في كل زاوية من زوايا سورية، حتى بات الشعب السوري شعب الخائفين بامتياز. كان الخوف حياتنا جميعاً. الخوف من كل شيء كان الضابط الذي يرسم سلوكنا، الجميع يخاف من الجميع، الشعب يخاف أن تنقضَّ عليه السلطة، أن تنكّل به، وأن تحرمه لقمة عيشه، والسلطة تخاف من الشعب أن يفتك بها، إذا زال عنه الخوف يوماً واحداً. لم تكن هناك مستويات للخوف في سورية. كان يضرب الجميع وبالدرجة نفسها، القيادات تخاف، والوزراء يخافون، الموظفون يخافون، ضباط الجيش والشرطة والأمن، والمواطنون كلهم كانوا يخافون، إلى الحد الذي أصبح فيه الشعب السوري يمارس حياته بشعائرية رتيبة، وكأن الجميع كان ينخرط في تمثيلية معقدة إسمها الحياة، كان السوريون فيها الممثلين والمتفرجين في آن.

كان الجميع يعلم أنه يكذب على الجميع. السلطة تعلم أن الشعب يكذب عليها، بعواطفه التي يبديها بدافع الخوف، والشعب يعلم أن السلطة تكذب عليه. حللت الكاتبة الرائعة، ليزا ويدين، هذه الظاهرة في كتابها الغني جداً "السيطرة الغامضة"، حيث بينت أن فاعلية النظام السلطوي في سورية لا تكمن فقط في التكنولوجيا المتوفرة لمراقبة المواطنين وعقابهم، ومجازاة آخرين. لكن، أيضاً، في الطرق التي يتم، من خلالها، تحويل القوة القمعية إلى القوة الانضباطية، غالبا بممارسات بلاغية ومزيفة بوضوح، تتطلب تعاون مواطني النظام ومشاركتهم.

لقد حول النظام السوري شعباً بكامله إلى مجرد كائنات، يسكنها الخوف، ولا شيء آخر. تصفق بدافع الخوف، وترقص في الميادين في مناسبات النظام التي يشارك فيها المواطنون خوفاً. كان الخطباء يقولون كلاماً يعلمون أنه كاذب، ويعلمون أن المستمعين يعرفون أنه كاذب، وكان المصفقون للكلام الكاذب يعلمون أن الخطيب يعرف أن تصفيقهم بدافع الخوف.
"
السلطة تعلم أن الشعب يكذب عليها، بعواطفه التي يبديها بدافع الخوف، والشعب يعلم أن السلطة تكذب عليه
"

في عام 2010، وفي إحدى جلسات الاختبار التي تجريها نقابة المحامين، لنيل الإجازة في المحاماة، كان المحامي المتمرن الذي يخوض الاختبار عضواً في مجلس الشعب. سألته يومها بما أنك برلماني، فمن يملك سلطة التشريع في سورية، وبعد صمت، نظر إليَّ، ثم إلى الحضور، ورد مبتسماً: لن أجيب على هذا السؤال. خاف أن يكون السؤال فخاً يقوده إلى الحديث عن الصلاحيات الاستثنائية لرئيس الجمهورية في التشريع. هذا برلماني يفترض أن درجة خوفه أقل من أي مواطن. لكن، في سورية كلما علت رتبة الأشخاص زاد خوفهم أكثر. لم يكن الاقتراب من السلطة يعفيهم من الخوف، بل على العكس تماماً. وفي عام 2010، وكنت أترافع في إحدى الدعاوى أمام محكمة الجنايات في ريف دمشق، طلبت من رئيس المحكمة طلباً عارضاً، يتعلق بفتح تحقيق مع رئيس فرع الأمن السياسي. رفض قبول الطلب، وبعد جدال معه، صرخ بي، وأمام جميع الحضور، إذا كنت تظن نفسك شجاعاً، فاذهب، وقل هذا الكلام أمام الأمن السياسي، ولا تورطنا في هذا الموضوع. سكتّ خوفاً، لأن حجته كانت قاطعة. كنا كائنين يسكننا الخوف، قاض ومحام، لم يستطع أحدنا أن يتجاوز خوفه.

وفي مارس/ آذار من عام 2011، اختلت موازين الخوف عند السوريين، فقدوا خوفهم أو تجاوزوه، خرجوا ليتحدّوا هذا النظام، النظام الخائف منهم، والذي مارس أقصى درجات الوحشية، تعبيراً عن خوفه. استمر السوريون، على الرغم من القتل بالتظاهر، لأنهم عادوا إلى الخوف مجدداً. كانوا، هذه المرة، يخافون انتقام النظام، إذا ما فشلت الثورة، إذا ما توقفوا عن التظاهر، فبعد أن أغرق النظام نفسه والوطن ببركة الدم، لم يعد أحد قادراً عن التراجع. الشعب لا يمكن أن يتراجع، فالكلفة التي سيدفعها في حال توقفت الثورة ستكون أكبر بكثير من كلفة استمرار الثورة. والنظام، أيضاً، أغلق جميع الأبواب، ولم يعد قادراً على التراجع. وصل الطرفان إلى الحدود القصوى. كنا جميعا كمن يركب على دراجة هوائية، سيبقى جالساً عليها، ما دام يتحرك، فإذا توقف سيسقط لا محالة. كان الجميع يدرك هذه الحقيقة إن أي طرف سيتوقف عن الحركة سيكون مصيره السقوط، هو الخوف الذي يدفعنا للاستمرار، الخوف من الانتقام من القسوة والوحشية.

حتى المناطق المحررة خرجت عن سيطرة النظام، لكنها لم تخرج عن خوفها، وإن أصبح مصدر الخوف شيئاً آخر. في زيارة رسمية للرقة في نيسان من عام 2013 بهدف إجراء انتخابات في محافظة الرقة، لانتخاب مجلس محلي يدير المحافظة، بعد خروجها عن سيطرة النظام. وفي صلاة الجمعة في أحد مساجد الرقة، كان الإمام خطيبا مصرياً، وبلغة عربية رديئة، كان يتحدث عن كفر الديمقراطية وطاغوت الانتخابات. يومها تحدث بكلام مضحك، بل يمكن أن نقول إنه يثير البكاء أكثر. قال بالحرف "إن الديمقراطية اخترعها جان جاك روسو الذي اعترف أنه يمارس الشذوذ الجنسي مع جان بول سارتر". هكذا قال على المنبر، كان المسجد مليئاً بالمصلين، أطباء ومهندسين وأساتذة وغيرهم، وأغلبهم يعرف أن بين روسو وسارتر أكثر من مائة عام. نظرت إلى المحيطين بي، كان الجميع يخفض رأسه بصمت. وعندما خرجنا من المسجد، سألت مدير الأوقاف، وهو شيخ جليل، كيف توافقون على أن يكون هذا الجاهل خطيب جمعة في مدينتكم. نظر إلي، وقال إنه من جبهة النصرة، ولا نستطيع أن نقول لهم شيئاً، لأنهم باتوا الحكام الجدد. كان الخوف يسكنه، كما كان يسكن جميع المصلين.

لم يفارق الخوف السوريين، حتى بعد زوال النظام عنهم، وفي أكثر من منطقةٍ، خرجت عن سيطرة النظام، كان الخوف هو الذي يرسم تصرفات الناس فيها. يطيلون لحاهم، بسبب الخوف. يقصرّون ثيابهم بسب الخوف، يصلّون بسبب الخوف، ويقتلون، أيضاً، بسبب الخوف الذي يلاحقنا في كل مكان.

رأيت بأم عيني شباناً رائعين، خرجوا ضد فساد النظام. تظاهروا في ما سبق تحت الرصاص. لكن حكام المناطق الجدد اضطروهم للخروج من البلاد. رأيتهم وهم يعملون في مؤسسات تابعة للمعارضة، في عنتاب وفي إسطنبول. كانوا يحدثونني بألم عن مظاهر الفساد التي تعصف بهذه المؤسسات، لكنهم، في هذه المرة، لا يستطيعون التظاهر، ولا رفع الصوت، لأنهم يخشون أن يفقدوا مصدر رزقهم، وأن يصبحوا مشردين في شوارع عنتاب وإسطنبول. عاد الخوف يلجم ألسنتنا، يمنعنا من الكلام، وربما كانت هذه المفارقة الأكثر غرابة. شجعاناً كانوا في شوارع المدن السورية، يتظاهرون تحت الرصاص، لكنهم، الآن، يخافون من سلطة موهومة، يملكها مسؤول متوهم أنه سلطة، وكأن ما يحدث فصل من فصول المسرحية النبوءة لسعد الله ونوس "طقوس الإشارات والتحولات". لا شيء ثابت، ولا شيء كامل سوى الخوف. الخوف توأم السوريين الذي لم يفارقهم، حتى اللحظة، وكأنه قدرهم. ولن نستطيع، كسوريين، أن نبني دولة، وأن نؤسس مجتمعاً، ما دام الخوف يسكننا. عبورنا للمستقبل لن يكون إلا إذا تخلصنا منه، أياً كان مصدره.

  • اسم الكاتب: محمد صبرا
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة