الشعب السوري وأطياف المعارضة بين الواقع و "الواق واق"

11.كانون1.2016

لم  يحظى الشعب السوري بفرصة للحياة كما تمنى ذات يوم، لكنه لو كان في جزر “الواق واق” لاستطاع أن يحظى بعدالة السماء واستطاع أن يتحصن بشجر الحور، و أن يجد في ثمرة “جوز الهند” ما يشرب ويأكل، و لرسم بشجر الكينا حدوده، وحصل على حريته دون زحمة الصواريخ، ودون أن  يحتاج الى حكومة مؤقتة او انتقالية، ولن يحتاج لمشّرع يضع قوانين العدالة الانتقالية، والأهم لن يكون بينه سارق ولا متعدي ولا غني ولا متسلق على الثورة.
 
هناك في جزر “الواق واق”، لا وجود لأروقة السياسة المكتظة بأجندات المجتمع الدولي والمعارضة وجحافل النظام، لا مكان لـقلق "ستيفان دي ميستورا"، فلم القلق، فهناك لا محاكم دولية ولا قوانين نزاعات تطبق، ولا مدين ولا دائن، فالكل يعيشون كما سوبرمان والسندباد وعلي بابا في عالم لا حقوق فيه ولا واجبات ولا قضاء ولا حدود.

و الجميل  أن مندوب النظام في الأمم المتحدة "بشار الجعفري" ستجده هناك ينفث الدخان بهدوء، دون تلفيق الأكاذيب وفبركة القصص، فلا داع للامتعاض، وليس لديه وقت لتخوين المعارضة وشتمها، لأنه مشغول في احدى الجزر يجمع الحطب ليطهو الحل السياسي على نار التملق، ويرسم خطة قتل النظام للمدنيين ببساطة
 
أما المعارضة السورية في “الواق واق” فهي مقسمة بين ائتلاف في الجزء الشرقي، يبحث عن منصة له لإصدار البيانات واستنكار الإجرام في سوريا، ليرسلها للمجتمع الدولي عبر الحمام الزاجل، وبين هيئة التفاوض العليا في جزر الغرب التي ترتشف بعضاً من قهوة الهال وتصب جل اهتماماتها في إصدار تصريح صحفي يعلق على أشجار التوت ليكون أقرب للنعوات، تطالب فيه الأمم المتحدة بتمزيق خريطة النظام وايران وتنقل أملهم ببناء سوريا السيادة.

وماذا عن الأكراد  هناك، أخيراً سيكون لهم دولة كردية وتنتهي قضية الدولة الكردية المستقلة، ليأخذوا جزيرة منعزلة، ربما سيختاروها بين جزر المعارضة والنظام، سيحققون حلمهم الذي رسموه مئات السنين وقد يرضون بقدرهم النهائي، ولكنهم سيضطرون لتعلم لغة جديدة هي لغة سكان “الواق واق”، بعد عذاب القومية الكردية التي قاتلوا فيها الجميع، ولكني لا أملك اليقين بأنه لن ينشب خلاف بين قوى بي واي دي والبشمركة السورية، على اتجاهاتهم البنائية للدولة الكردية.


أما "أبو بكر البغدادي" وتنظيم الدولة قد يضطرون لتغييرراياتهم السوداء بأوراق شجر العرعر، ففي تتلك الجزر لا قماش أسود وا أحمر، سيغيرون إسم التنظيم من تنظيم الدولة إلى “ تنظيم الواق واق”، ويبحثون عن طريقة لردع الناس، ولربما تكون فرصتهم هناك أفضل في ظل غياب القوانين الوضعية، وسيطرة قوانين الطبيعة.

أما الشعب السوري سيجد الراحة في جزر “الواق واق”، وستنتهي معضلته في البحث عن فيزا إقامة أو زيارة أو حتى السعي وراء جنسية أوروبية، فالجنسية  (الواقية) ستروي طموحاته، وسيبني كل مواطن سوري هناك كوخاً من خشب، ويوقد بجانبه النار في الليل ويتعلم من سكان “الواق واق” عاداتهم ومعتقداتهم، كعادة الشعب السوري سينبهر في بداية الأمر بأولئك الناس، بلباسهم الذي يقتصر على بعض أوراق الشجر الذي يوضع على عوراتهم، وعقود الورد التي تزين رؤوسهم، يحملون أغصان الشجر في أيديهم، لديهم عادة الرقص كل ليلة رقصة تشبه رقصتي الزومبا، بعد أن يوقدون النار في منتصف دائرة يصنعونها بإجتماعهم الذي صعب علينا نحن السوريون أن نصنعها، سيتعلم الشعب السوري تلك الرقصة في أيام، وسيصدرون أصواتاً متواترة كما يفعل أهل الجزر والتي تعتبر نغمة للغتهم التي تعتمد على اشارات وأصوات الصم، ومن ميزات تلك اللغة أنها لن تتعب أي سوري في تعلمها، فحركات الرأس والإيماءات لن تستغرق أكثر من ثلاثة أيام للتعامل مع سكان تلك الجزر.

في النهار لن يكون لدى السوري أي حاجة للمشقة لتدبير مبلغ يدفع به أجار المنزل، وليس لديه حاجة للبحث عن عمل في مطعم كنادل أو كسمسار عقارات، لن يكون لدى السوري هاجس الذهاب للمدرسة لتعلم لغة ألمانية أو فرنسية أو انجليزية أو تركية، ولن يسيطر على أحد السوريين الخوف من حكومة “الواق واق” أن تلقيه في أول "يم" يمرعلى شطها، لأن قوانين الأغراب هناك شبية بقوانين أهل الجزر، وربما سيستمع السوري بميزات الضيافة لأعوام، وسيحصل على الجنسية بإيماءة واحدة من أحد سكان الجزر، ففي "الواق واق" الكل متساوون ويستطيعون منحك الجنسية.

عصام شبكة شام, [11.12.16 17:11]
وبينما الشعب السوري منشغل بتلك المعيشة “الرغيدة”، بعيداً عن التلفاز والانترنت وبعيداً عن هجمات حلب وقصف ادلب وتهجير أهالي ريف دمشق، ترى المعارضة تفكر بطريقة لوضع سياج حول الكوخ الذي اتخذته مقراً سياسياً لقوى المعارضة ي إحدى الجزر، فلا حاجة هناك لعوام الشعب ولا لتأيدها، يلزمهم فقط علاقات مع مسؤولي جزر “الواق واق”، وأكثر ما يمكن أن يقوم به أولئك المسؤولين هو منح الإئتلاف تفويضاً بعمل ما يشاء من اجتماعات و لقاءات و ندوات وورشات عمل و يجري التوسعة بالشكل الذي يريد و الطريقة التي يجدها تناسب أعضاءه، لتبدأ هنا مهمة الأمانة العامة للإئتلاف التي تقتصر على التشاور كيف تكتب بياناً عن أحداث حلب وأين ستنشر البيان، وريثما تتفق على آلية كتابة البيان والنشر على أي نوع من أنواع الشجر، ستكون أحياء حلب الشرقية هناك في سوريا بيد الأسد وايران، بينما لا تزال هيئة التفاوض ترسم خطة كيف تتوصل لاتفاق الرياض، ومتى سيكون موعدها المقبل في جنيف وكيف ستعيد القلق الى قلب دي ميستورا وترضي ترامب المتذبذب.

وبينما يصول الشعب هناك وتجول المعارضة هنا في جزر”الواق واق”، تجد الأسد منشغلاً بلعبة الأرض المحروقة، تساعده روسيا على اشعال سوريا جواً، وايران تدحل المناطق المحررة براً، أما الجعفري فلا يزال يجادل مجلس الأمن حول الحل السياسي ومرحلة انتقالية بحكومة وحدة وطنية لن تكون إلا بوجود الأسد، ولكنه سيقنع بعد وقت ليس بالطويل أنه لا حاجة للأسد في “الواق واق”، لأن الأسد أحرق البلد وأنجز المهمة على أكمل وجه، ولم يعد لديه سبب للسفر الى تلك الجزر، وبات لديه فرصة لينعم بكل ما سرق من سوريا في أي دولة أوروبية بعيدة عن شط "الواق واق"، وبعد كل هذه الأعوام والحروب، لن يعود من جرب قوانين "الواق واق" الى سوريا ليجرب قوانين وضعية جديدة، فكوخ من الخشب وبعض من جوز الهند والصنوبر وحساء أوراق الشجر قد تجعل السوري ينعم بسلام، بعيداً عما بقي من ركام سوريا.

  • اسم الكاتب: رنا جاموس

الأكثر قراءة