الغوطة.. انتصارٌ تاريخيٌ في الإنسانية والأخلاق

16.نيسان.2018

صمودٌ عظيم... إصرارٌ وثباتٌ أسطوريٌ عبرَ خمس سنوات.. إرادةٌ وتصميمٌ وعزيمةٌ هي وسامُ شرف على صدر كلّ سوري خرجَ يطالبُ بالحرية والكرامة... انتصارٌ تاريخيٌ في الإنسانية والأخلاق لشعب ثائر.. هزيمةٌ نكراءٌ في ميزان تكافئ القوى لدول واجهت قطعةً جغرافيةً صغيرةً لا تتجاوزُ مساحتُها 110 كم² عبر سنوات من الحصار والتجويع والقصف والغارات الجوية واستخدام مختلف أنواع الأسلحة المحرمة دولياً والغازات السامة.

نعم.. استطاعَ النظامُ المجرم بسطَ سيطرته على الغوطة، ولكن بعد صمود ست سنوات ذاق فيها الأسد وميليشياته ألوان العذاب. بعد سنوات من المعارك البطولية التي خاضها ثوار الغوطة، انتهت مرحلةٌ عظيمةٌ من مراحل الثورة، انتهت بثبات أبناء الغوطة واستمرارهم في ثورتهم، خرج الاحتلال الروسي بعد كل هذه السنوات متفاجئين بصمود الغوطة المحاصرة.. مكروهين عالمياً.. ومعهم كل العرب والفصائل الذين تواطأوا معهم.. وصمتوا على عدوانهم.. وباعوا ضميرهم وأشقاءهم.. وحالهم حال أبي رغال.. الذي تآمر مع أبرهة الأشرم على أشقائه العرب في هجوم أصحاب الفيل على مكة.. ولكن هم الذين دفعوا دنانير الذهب والفضة للمحتل المعتدي.

بوتين وأذنابه تفننوا في سفك دماء أطفال الغوطة، ومطاردتهم حتى في مدارسهم، ومستشفياتهم المعدمة التي كانوا يرقدون على أسرتها، لم يجد مقاتلين يقاتلهم، ولا قواعد صواريخ ليضربها ولا بنوك أهداف ليجهز عليها. الجيش الروسي أحد اقوى الجيوش في العالم عجز لسنوات أن يتقدم متراً واحداً في شرق دمشق، "UR77" العربة الروسية التي تعتبر فخر الصناعة الروسية أو "عربة خراطيم المتفجرات" وفق تعابير أهل الغوطة الأبطال الصامدين، جبنت عن دخول المدن خوفاً ورعباً لأنها لا تعرف، ولن تعرف، من أي فوهة أو خندق سيخرج لها الصناديد الرجال في زمن عز فيه الرجال، وكثر فيه أرباعهم، ونحن نتحدث هنا عن قادة الجيوش العربية وجنرالاتها الذين يفتخرون بأنهم تخرجوا من أرقى الأكاديميات العسكرية الغربية مثل "ويست بوينت" الأمريكية و"ساند هيرست" البريطانية حيث علموهم الرعب والخوف، وزرع بوتين في نفوسهم مقولة أن روسيا لن تهزم.

أبطال الغوطة تعلموا في أكاديميات الكرامة وعزة النفس والشجاعة والإيمان بالله وحتمية النصر والثقة بالقدرات الذاتية، والفوز بالشهادة، والتطلع إلى الانتقال من دار الفناء الى دار البقاء، عبر أقصر الطرق إلى الشهادة، والقتال حتى نيلها، ولهذا سادوا وارتقوا إلى أعلى درجات الشرف، وهبط الآخرون الى أدنى درجات الذل والهوان.

بوتين انهزم لأنه لم يواجه جيوش عربية جرارة وقادة متكرشون متحمسون يعلقون نياشين وهمية علقها على صدروهم زعماء متخاذلون.. وبوتين انهزم لأنه حارب أحفاد بدر الدين الحسني ومحمد الأشمر وحسن الخراط وتوفيق سوقية، وخالد بن الوليد، وصلاح الدين وأبو عبيدة الجراح، وطارق بن زياد، وكل رموز العروبة والإسلام الذين دخلوا التاريخ من أوسع ابواب الشجاعة والمروءة والإيمان بالنصر حتى نالوه، أو استشهدوا من أجله، وكانوا هم الفائزون في الحالين.

أكثر من خمسة سنوات من الصمود لم يصرخ أهل الغوطة، ولم يتسولوا وقفا لإطلاق النار مثلما يريد جيش الإسلام بممثله محمد علوش في اتفاق القاهرة حيث كانوا ينتظرون بلهفة رايات استسلامهم، إنما كان أبناء الغوطة رافعين رؤوسهم، لا يستعينوا إلا بالله وليهم وناصرهم، وتجاهلوا، او احتقروا كل الجيوش وجنرالاتها ومئات المليارات التي جرى انفاقها على تسلحيها. الأنفاق على أطراف دمشق كانت أسطورة ثبات الغوطة.. والصواريخ فيها كانت تحرق جنود الأسد وسط دمشق، والمقاتلون الأشداء خرجوا من الغوطة وما زالوا صامدون مثل الرماح، فالخراب في الحجر أما النفوس فما زالت عامرة بالإيمان والثقة بالنصر، والتطلع للشهادة.

عاش المحتل الروسي حالة رعب لم يعيشها منذ خسارتهم المؤزّرة في أفغانستان، وممن؟! ومن أين؟! من الغوطة الصغيرة في حجمها، الكبيرة برجالها وأبطالها، فأطفالها يولدون جبابرة، ونساؤها الولادات يرضعنهم حليب البطولة والشهامة، والشجاعة وهي كلمات انقرضت من قاموس الكثير من الزعماء العرب وقادة جيوشهم. نكتب بعاطفة.. نعم.. لأنه لا يوجد وقت لصف الكلام، ويجب أن نرتقي لمستوى الحدث، ونقولها للمرة الالف.. نكتب بفخر بأشقائنا وشقيقاتنا وأبنائنا وأحفادنا الذين سطروا حروف وخطوط هذه الملحمة الجهادية النضالية على أعتاب دمشق الفيحاء.

روسيا احتلت الغوطة، ولكن بعد حرق الأبرياء، فطائراتهم لم تقتل إلا الأطفال فقط، لم تدمر قاعدة صاروخية واحدة، فالجيش الذي يصف نفسه ويصفه حلفاؤه، وداعميه في الغرب، بأنه يطبق أعلى المعايير في الدقة والأخلاقيات لم يقتل إلا الأطفال وبيت العجزة والمدارس والمستشفيات، أما "الإرهابيون" من رجال الغوطة الصناديد فلم يقتلوا غير الجنود ولم يدمروا غير "UR77"، وخير دليل هو تلك الصورة التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي للأسير وكيف تعامل مقاتلي الغوطة معه، وهنا الفارق الواسع في القيم.

يستغرب الكثيرون مني كيف أقول أننا انتصرنا بينما المعارك انتهت بسيطرة الاحتلال الروسي وميليشيات الأسد على أرض الغوطة، نعم انتصرنا بصمودنا في وجه آلة القتل، وخسر العدو بفشله في تحقيق أهدافه من الحرب على غوطة الصمود وثأره من المجاهدين عبر قتل المدنيين والعزل بشكل ينم عن عقلية تعشق القتل وسفك الدماء وتتلذذ بأشلاء المدنيين. فكيف لا نقول انتصرنا وكل ما جناه العدو من تلك الحرب هو تشويه صورته أمام الرأي العام العالمي وعدم مقدرته على تحقيق أي هدف من الأهداف التي أعلنها من حربه على الغوطة، سوى تهجير أهلها الأصليين عنها.

كيف لا نقول انتصرنا وقد تأثر الوعي العالمي إيجابياً لصالح قضيتنا بفعل الحرب التي شنها العدو على الغوطة وبدأ العالم يستفيق، وبدا الجميع ينظر إلى ثورتنا بنظرة غير تلك النظرة التي كانت قبل الحرب وبات الكل يدرك أن ثورتنا هي ثورة تحرر وطني لا تسعى للقتل لمجرد القتل ولا لسفك الدماء لمجرد التسلية والعبث، لكنها ثورة يقاتل أبناءها بشرف وتتقن فن الثورة من أجل أهداف معلومة وواضحة وهي تحرير الأرض والإنسان. ست سنوات والعدو يواصل قصف وضرب الغوطة برًا وجوًا سعى خلالها بكافة الطرق للسيطرة على مناطق في غرب الغوطة لكنه عجز عن ذلك. نعم انتصر الدم والإرادة على السيف، لمجرد المقارنة بين حال الغوطة وثوارها وبين العدو وجيشه هذا بحد ذاته نقطة تحسب لصالح شعبنا، فكيف لا نعتبر ذلك أمرًا يحسب لصالحنا ونحن نقاتل بوسائل بدائية من صنع يدوي بعتاد بالكاد يستطيع الصمود في وجه أقوى دبابات في العالم فضلا عن عدم المقدرة على مجابهة الطيران بكافة أشكاله.

استهلك العدو مخزوناً ضخماً جداً من الذخيرة المخصصة لسلاح الجو فضلاً عن استخدام أسلحة محرمة دوليًا صبت حممها على رؤوس المواطنين في الغوطة في محاولة منه لتحقيق الغايات التي وضعها من أجل تلك الحرب. اتبعت قوات الأسد سياسة "الأرض المحروقة" في مواجهة ثوار الغوطة الشرقية، بالرغم من عدم تكافؤ القوى بين الأطراف، إلا أن ثوار الغوطة أثبتوا دهاء عسكري قل نظيره، فعلى الرغم من تدمير البنى التحتية نجح الثوار في المعارك الدفاعية والهجومية.

مبارك انتصارك يا غوطة الشام، بالرغم من الإمكانيات البسيطة، فقد أرقت مضاجع الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة وميليشيا الغيث وغيرها من المرتزقة والمأجورين، وخرج أبناؤها مرفوعي الرأس بعد أن حطموا بصخورها جماجم رابع قوة عسكرية في العالم، وذلك بإرادة وعزيمة ما لانت.

  • اسم الكاتب: أسامة المصري
  • المصدر: مدونات الجزيرة
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة