النظام السوري والصراع على المخيلة

23.آذار.2015


منذ قيامه، قبل نصف قرن، تغطّى النظام السوري بالأيديولوجيا البعثية، وبشعارات الوحدة والحرية والاشتراكية، التي يتشربها تلاميذ المدارس في المرحلة الابتدائية، والتي تملأ الفضاء السوري على الحيطان وأثير موجات الراديو ومحطات التلفاز. فضلا عن ذلك فقد غطى هذا النظام سياساته التسلطية والقمعية بدعوى الانشغال بالأمن القومي والقضية المركزية، أي قضية فلسطين والصراع ضد إسرائيل والمقاومة، وفي غضون كل ذلك لم ينس هذا النظام ادعاء “العلمانية” والتقدم.

وكان تم الترويج إلى كل ذلك بواسطة الدولة، واحتكار أو احتلال، المجال العام، وعبر التلفزيون والإذاعة والصحف، والمدارس والجامعات، وجهاز الموظفين، ومؤسّسة الجيش، والاتحادات الشعبية، ومنظمات الطلائع والشبيبة، وبوسائل التخويف، أيضا، عبر أجهزة المخابرات المنتشرة في المجال المجتمعي، هذا دون التقليل من الدور الذي لعبه العامل الاقتصادي، فمن جهة ثمة الإفقار وتعزيز الاعتمادية على الدولة وفق وصفة القطاع العام، ومن جهة أخرى ثمة طبقة رجال الأعمال التي تدين بوجودها وامتيازاتها للنظام.

بيد أن كل هذه الشعارات والادعاءات كانت لمجرد الاستهلاك والابتزاز وترسيخ الشرعية، وتبرير مصادرة الدولة والهيمنة على المجتمع وتعويق التنمية، إذ تم اختزال الاشتراكية، مثلا، بمصادرة الأراضي، وتأميم الشركات الصناعية الخاصة، وإضعاف البرجوازية الوطنية، وهي إجراءات أدت إلى هيــــمنة الدولة – السلطة على قطاعات الإنتاج، وتعزيز سيطرتها على المجتمع وعلى المجال العمومي، ما نجم عنه تعميم علاقـــات الفساد وتفريخ حيتان جدد، لاسيما من المقربين للعائلة الحاكمة التي باتت تتحكّم بقرابة ثلثي الاقتصاد، بما في ذلك ملكية مساحات واسعة من الأراضي.

أما ادعاء “القومية” فتمثلت في سياساته التدخّلية والإلحاقية التي اتخذت في غالبية الأحيان طابعا عسكريا أو عنفيا في محيطه، لاسيما في لبنان وإزاء الفلسطينيين، وفي العراق الذي عاش على العداء معه، على رغم التقارب الأيديولوجي سابقا بين نظامي هذين البلدين. ويأتي في ذلك اشتغاله في خدمة سياسة إيران في المنطقة، مع الشبهات التي تحيط بها، لاسيما في سياساتها العراقية واللبنانية، وإثارتها النعرة المذهبية في المشرق العربي، إلى حد تمكنها من سوريا ذاتها، كما بتنا نشهد الآن.

وبالنسبة إلى أسطورة كونه نظاما مقاوما، فهي تثير السخرية والمرارة في آن، فهذا النظام مسؤول عن ضياع جزء من سوريا واحتلاله (هضبة الجولان)، وكان بدأ عهده بإدارة الظهر للمقاومة الفلسطينية في الأردن (1970)، ثم أوقف المقاومة نهائيا من جبهة الجولان بعد حرب 1973، وتوّج كل ذلك بشنّه الحرب على المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية 1976، وهي “مقاومة” لم ينجم عنها إطلاق رصاصة واحدة باتجاه إسرائيل طوال أربعة عقود، ناهيك عن أنه دعم كل الحروب التدميرية ضد مخيمات لبنان، والتي قام بها حلفاؤه.

بقيت أسطورة “العلمانية”، التي تكشفت عن مجرد غطاء يحاول من خلالها النظام التلاعب بما يسميه “أقليات”، وبالتالي حراسة الواقع الطائفي والمذهبي في سوريا، بادعائه حمايتها، في حين أنه يغطي في كل ذلك سياساته القائمة على الحؤول دون تحول المجتمع إلى مجتمع حقا، مع وجود مواطنين متساوين حقا أمام القانون وأمام الدولة، دون أي تمييز ديني أو مذهبي أو إثني أو جنسي، وأيضا الحؤول دون قيام الدولة باعتبارها دولة حقا، أي دولة مؤسسات وقانون، مع فصل بين السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية.

والحقيقة فإن نهج “فرّق تسد” هي السياسة التي استخدمها النظام لتكريس شرعيته وترسيخ سلطته، وإظهار أي محاولة للخروج على هذا الوضع بمثابة تمرد طائفي أو حرب أهلية، او صراع أقليات وأكثريات، على نحو ما يفعل اليوم.

المشكلة أن كذبة علمانية النظام انطلت على كثيرين، وساهمت في ترويجها، أيضا، تيارات إسلامية، ربما بعضها عن سذاجة وضيق أفق، وبعضها الآخر عمدا لتبرير ذاته في المشهد السوري، وفي الصراع على سوريا. ومعلوم أن نظام الأسد، رغم اضطهاده جماعات الإخوان لأغراض سياسية، فإنه سهّل ورعى نشوء مؤسسات وجماعات وشخصيات إسلامية كثيرة، بما يخدم تكريس مكانته، وإضفاء الشرعية على وجوده. ولا ينبغي أن ننسى دور الأجهزة الاستخباراتية السورية في تفريخ أو رعاية جماعات إسلامية متطرفة مثل “فتح الإسلام”، وجماعات “النصرة” وغيرها في لبنان والعراق ثم في سوريا.

هكذا، نمّى نظام الأسد بديماغوجيته نوعا من الجماعات الإسلامية والإسلاميين، مثلما نمّى جماعات من رجال الأعمال والمثقفين والفنانين والأكاديميين، ومن كل التيارات اليسارية والقومية والعلمانية والليبرالية، من المتصالحين أو المتسامحين مع نظامه، ومعظم هؤلاء لعب دورا كبيرا في عمليات التضليل والتدجين التي انتهجها النظام.

هذا كله يفسّر رواج تلك الأساطير، وصمود صورته المتخيّلة عند كثيرين، لاسيما عند بعض اليساريين والعلمانيين والقوميين والمقاومين، داخل أو خارج سوريا، ممن لم يكابدوا سطوته ولا بطشه، ومن الذين يفتقدون الحد الأدنى من الحساسية الأخلاقية، بحيث لم يعودوا يرون أو يحسون بالفظائع التي يرتكبها هذا النظام، ولا الأهوال التي يكابدها السوريون، منذ أربعة أعوام.

  • اسم الكاتب: ماجد كيالي
  • المصدر: العرب
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة