النقد غير المباح: تساؤلات في الكتابة والتعبير

22.كانون1.2016

أربكت الأحداث الدائرة في سوريا العالم بأسره، فهي من حيث الشدة كارثة شهدت ولا تزال حجماً هائلاً من القتل والتدمير والتهجير، ومن حيث التعقيد نجدها عقدة للاصطفافات والمصالح الإقليمية والدولية، ويبدو أن الجميع باتوا مقتنعين بأنها الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.

حجم الكارثة وتعقيد ملفاتها ومقدار الضخ الإعلامي، بما فيه من تحليلات وأخبار وسرديات، جعل القراءة «المنطقية» أمراً عصيّاً، ما أسقط كثيراً من الناس في فخ العدمية أو الفوضى التحليلية البعيدة عن الواقع أو المنطق.

وساهم اتساع مجال النشر وتعدد المنابر والمواقع التي تنشر الأخبار والمقالات والتحليلات -بما لها من أجندات وبما تلعبه من أدوار- في تزايد الطلب على «الكتّاب»، وخلقت فرصاً أمام كثيرين ليكونوا من أصحاب «القلم»، إضافة إلى ذلك وفي إطار التنافس على استقطاب القرّاء وتوجيههم، بات من الضروري للمواد وعناوينها أن تكون لافتة، بل فضائحية في بعض الأحيان، حتى ولو وردت في إطار «مقال رأي».

في هذا السياق، وأثناء مراجعاتي المستمرة للمقالات الناقدة للمعارضة السورية ومؤسساتها، ورغم إيماني بأن النقد أمر صحي وطبيعي، وأن من الطبيعي أيضاً أن يبحث «الكاتب» عن مواضيع ساخنة تجذب القارئ، وأن من الطبيعي فوق ذلك أن يسوّق بعض «الكتّاب» أنفسهم كأقلام «حرة»، تعمل على إيصال «الحقيقة» للقارئ؛ فإن مطالعتي لبعض ما ينشر في هذا الشأن ولّد لدي جملة من «التساؤلات».

تساءلت بداية عن لقب الـ«كاتب»، وارتباط هذا المصطلح بالأخلاق والمصداقية، والمسؤولية أمام الذات والمجتمع، فناقل الفكرة كناقل الصحة أو المرض، ويفترض به أن يتحمل مسؤولية ذلك، وكما يتوجب على المرء أن يجتهد كي يصبح طبيباً، وأن يعقم نفسه وأدواته قبل أن يشق بمبضعه جسد مريض، فهكذا أيضاً يجب أن يكون شأن الكاتب الحقيقي.

كما أن التمييز بين النقد والتهكم في الكتابة، أو بين الحقيقة والخيال، بين الكاتب المدعي والكاتب الذي يكتب ليصحح المسار؛ كان من جملة تساؤلات خطرت في بالي.

لا حرج بالطبع من الانتقاد، بل هو أمر مطلوب، سواء جاء عبر مقال أو عمود أو حتى بضع كلمات على صفحة شخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، وسواء جاء من شخص قريب، أو من شخص يعيش في قارة أخرى، لكن جانباً من هذه التساؤلات يتعلق بمدى قرب أو بعد الانتقاد من الحقيقة والصواب، هل هو قيل عن قال؟ وهل هو نتيجة تحليل جدي أم خيال، هل نجم عن عمل وبحث وتحقيق؟

أتوقف هنا لأؤكد، دون مواربة ودون تردد، أن هناك كتّاباً حقيقيين مخلصين، كتّاباً عهدناهم صادقين مع أقلامهم، نبحث عنهم لنسير مع كلماتهم، فكلنا في حاجة لرأي آخر، لنقد مخلص وبنّاء على صعيد حياتنا بكل تفاصيلها، والثورة تحتاج اليوم إلى القلم الحر والصادق، فهو ركيزة في استمرارية وصون فكرها ومبادئها.

للمتابعة من هنا لا بدَّ من الإقرار أن حرية الرأي والتعبير وكذلك حق النقد، كل هذه المبادئ، تحظى بنوع من القداسة، وتحاط بهالة من التقدير والإجلال، ولو كان ذلك في إطار نظري في معظم الأحيان، وتكاد لا تذكر هذه العناوين في أي سياق سلبي على الإطلاق، فطرحها في هذا السياق كفيل بتصنيف صاحب الطرح في خانة الرجعية واتهامه بتكميم الأفواه وربما، بالإرهاب، لم لا؟

وبالطبع، وكما يقر كثيرون، فإن أهم شعارات وأهداف الثورات والربيع العربي كله، أعني الحرية، تتصل بهذا الجانب بشكل يكاد يكون عضوياً.

لكن، ومتابعة لتساؤلاتي حول الكتابة و”الكتّاب”، أليس هنالك فرق بين التحقيق الصحفي الذي يكشف الفساد من جهة، وبين التقرير الذي يوثق ذلك الفساد من جهة أخرى، وبين مقال الرأي الذي يحلل واقعة الفساد من جهة ثالثة؟

هل من المعقول إلغاء دور التحقيق الصحفي.. والاكتفاء بتوجيه اتهامات خطيرة في سياق مقالات يفترض أنها مقالات رأي؟ هل يجوز للصحفي أن يورد رأياً في خبر دون أن ينسبه إلى مصدر، أو أن يورد كاتب المقال خبراً دون أن ينسبه كذلك لمصدره؟

هل هناك فرق بين تحقيق صحفي يبذل صاحبه كل جهد ممكن لكشف فساد مؤسسة ما؟ وبين مقال رأي يوجه التهم ذاتها دون تقديم أدلة قادرة على الصمود أمام مساءلة منطقية؟ بالتأكيد سينطبق الفرق ذاته على المزاعم التي تتحدث عن صلاح وحسن إدارة مؤسسة ما وتكيل المدائح لزعيمها، دون تقديم دلائل على ذلك أيضاً.

سأنتقل بهذه التساؤلات إلى مستوى آخر… حيث يمكن تصنيفها باعتبارها نقداً حراً لحرية النقد أو حرية التعبير.

ندرك جميعاً، باعتبارنا دعاة للحرية، ومناضلين في سبيلها، بأن من أبسط مبادئها ألّا تتعارض مع حرية الآخرين، وألّا تتعارض كذلك مع القوانين، ولا حاجة لضرب أمثلة في هذا السياق، وإلا سنقع في فخ التساؤل الممقوت الذي تم طرحه في بداية الثورة من قبل أتباع النظام: “ما هي هذه الحرية التي تريدونها؟!”.

فهل نسمح بالسب والشتم في سياق حرية التعبير؟ هل نسمح بشهادة الزور باعتبارها مجرد حرية في التعبير؟ هل نسمح باستخدام عبارات مهينة ذات طابع جنسي أو عنصري أو طائفي؟ هل يعتبر أي قانون يفرض شروطاً تجاه ذلك مناهضاً للحرية؟

تنظر القوانين إلى الطرف المحرض على ارتكاب جريمة ما باعتباره شريكاً فيها رغم أن دوره لا يتعدى “الكلام”؟ هل يعاقب من يرمون المحصنات إلا بجريرة كلام خرج من أفواههم؟

مهما يكن من أمر، وإذا كان من واجب الناقد وصاحب الرأي أن يدرك الهدف الحقيقي لفعله وهو الإصلاح والتقويم، وأن يصوغ نقده بأسلوب يتيح له فرصة تحقيق أهدافه، فما هو الموقف المنتظر ممن يتلقى سهام نقد مسمومة؟ ألا يمكنه أن يستفيد من ذلك النقد حتى لو كان مسموماً؟

وأخيراً ورغم أنني تجنبت في سياق المقال إصدار الأحكام أو المبادرة إلى تقديم النتائج، مكتفياً بطرح التساؤلات، ورغم أن ملامستي لهذه المبادئ الأصيلة، والجديرة بالاحترام والتقدير، قد تبدو مجروحة وغير حيادية بسبب موقعي السياسي الراهن، إلا أنني، ومهما يكن من أمر، أرجح أنها مغامرة جديرة بالخوض، خاصة وأن الأسئلة التي يتمكن الإنسان من طرحها، تحمل في بالذات جزءاً من الإجابات التي أبحث عنها.

لعلهم يعقلون .

  • اسم الكاتب: عبد الإله الفهد
  • المصدر: القبس الكويتية
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة