طباعة

الهابطون بالمظلة في سورية

20.آب.2016

حين تتأمل نصف قرن في سورية، يستوقفك موضوعان بالغا الأهمية، كانا سبب الفساد وانهيار القيم في البلاد، خصوصاً فساد التعليم والقضاء. وقد يبدو أن لا رابط بينهما، لكنهما أشبه بنبتتين مزروعتين في تربة واحدة، هي تربة الفساد في أعلى درجاته، فالحياة لا تتجزأ، وهي أشبه بجسم الإنسان حين يمرض عضوٌ يختلُّ الجسم كله.

في بداية التسعينيات، بدأت أفواج من طلبةٍ لم يحققوا أي مجموع جيد في الشهادة الثانوية، بل كان نجاحهم عند الحد الأدنى، يدخلون كليات الطب والهندسة والصيدلة، لمجرد أنهم من منظمة شبيبة الثورة، وخضعوا لتدريباتٍ وهبطوا بالمظلة، كما لو أنهم بهذا يستحقون أن يختاروا الاختصاص الذي يريدونه في الجامعة، حتى لو لم يكونوا مؤهلين له، وكان هؤلاء الهابطون بالمظلة يسرقون فرص غيرهم من الطلاب المجتهدين والحاصلين على مجموع عالٍ في الشهادة الثانوية. كانوا ينجحون بالواسطة، من سنة إلى أخرى، ليتخرّج معظمهم جامعيين أميين. وكانوا يحصلون على منح دراسية خاصة في روسيا ورومانيا، حيث إمكانية النجاح والحصول على شهادة بالواسطة كبيرة جداً. وكان بعض هؤلاء الهابطين بالمظلة ينسحبون من دراسة الطب، عارفين أنهم ليسوا أهلاً لها. وعندما عادوا من رومانيا وروسيا، وعيّنوا أساتذة جامعيين، صار التعليم يتدهور، حتى أن طبيباً بيطرياً كان يُدرّس التشريح في كلية الطب البشري.

أما عن فساد القضاء، فلا أنسى قول محام كبير لي إن من يدفع أكثر يربح الدعوى، وهو يعترف بأن لا دعوى يمكن أن تُنجز بدون دفع رشوة للقاضي، وبأنه، في نهاية كل شهر، يجتمع القضاة في مكتبه الفخم، ويبدأ توزيع المال الوفير عليهم، كل حسب الخدمة التي قدّمها، ليس لخدمة صاحب الحق والمظلوم، بل لمن يدفع أكثر. حتى أن فساد القضاء في سورية تحوّل إلى ما يشبه القانون العام. وبلغ الفساد أوجه، بعد قيام الثورة السورية وحملة اعتقالات الناشطين، خصوصاً وأن أهاليهم لا يعرفون أمكنتهم، وأي جهات اعتقلتهم، وما هي تهمة الواحد منهم، وصاروا يدفعون مبالغ طائلةً تتجاوز أحياناً الملايين لمحامين، أشبه بالمقاولين واللصوص الأنيقين، ليعرفوا أخبار أولادهم. وقد تعرّض المسلسل التلفزيوني السوري "الندم"، في موسم رمضان الماضي، للظاهرة، كما لو أن ذلك يُبرئ الجهات التي تعتقل. وكانت تلك المعالجة الدرامية ناقصةً، وأشبه بتنفيس غضب الناس.

وتحولت أحاديث الناس إلى شبه مبارزة بين قصص المعتقلين، وكم دفع ذووهم لمحامين نصابين يوزعون الملايين على شركائهم في أجهزة الأمن. وكانت التهم خُلبية وغامضة، كاتهام أطباء يعملون في الإغاثة وتوزيع المعونات على الأسر النازحة، ومعظمها من النساء المعدمات من الفقر والأطفال، بأنهم يعطون المساعدات لأسر وعائلات يحارب رجالها وأزواج المُعدمات في جبهة النصرة أو "القاعدة" وغيرهما من مجموعات أصولية، كما لو أن مهمة الطبيب أن يتقصى عن خلفية الأطفال السوريين الجياع وأمهاتهم، والذين ينتظرون ساعات طويلة أمام مراكز الإغاثة، كما لو أن مهمة الطبيب أن يكون رجل مخابرات أولاً. وعليه، قبل أن يُسعف الجريح النازف، أو يُقدم مساعدة لمُحتاج أن يسأل عن الأب وعمله، وهل ينتمي لتنظيمات متطرفة أم هج خارج البلد، أم قتل في وطن القتل اليومي.

وقد اعتقل عدة أشهر طبيب كان رئيساً لجمعية خيرية، تساعد الفقراء والعجائز المُهملين، وخسر أكثر من 20 كيلو غراماً من وزنه، بتهمة أنه يوزع مساعداتٍ لأسر ينتمي رجالها للتنظيمات المتطرفة. وفي أثناء إدارته الجمعية الخيرية كان ممنوعاً أن تتم التبرعات للجمعية في الجامع، وبعد اعتقال الطبيب وتعيين واحدٍ من عظام رقبة النظام بدلاً منه، أصبح مسموحاً جمع التبرعات في الجامع.

إلى متى نبقى مُروعين من ذكر تلك الحقائق؟ إلى متى سوف يردد العبارة نفسها معتقلون قضوا أكثر من خمسة عشر عاماً في السجن، ولا يجرؤون على كتابة تجربتهم، لأنهم لا يزالون يعيشون في سورية. متى تتفجر حناجر هؤلاء بتجاربهم وسنوات سجنهم الطويل؟ ومتى يحل الوقت المناسب؟ وهل أمامهم خياران لا ثالث لهما، أن يخرجوا ويروون تجاربهم في السجن، أو يبقوا في سورية صامتين منتظرين اللحظة المناسبة التي قد يموتون ولا تأتي.

الهابطون بالمظلة، والذين استلموا أعلى المناصب في سورية، وفساد القضاء، وجهان لعملة واحدة.

  • اسم الكاتب: هيفاء بيطار
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا