الهدنة السورية.. والحرب العالمية

10.آذار.2016

لم يكن فشل محاولة إطلاق مفاوضات في جنيف هو العامل الوحيد وراء التحرك الأميركي الروسي المفاجئ لترتيب هدنة في سوريا بدأت في منتصف ليلة 27 فبراير الماضي. كان هذا الفشل هو العامل المباشر وراء التحرك لترتيب الهدنة. أما العامل الأساسي فهو القلق من احتمال توسع نطاق الحرب في سوريا، وإدراك أن النقاش الدائر في بعض المؤسسات الأكاديمية حول احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة ليس مجرد «عصف ذهني» بعيد عن الواقع. فعندما تسارع التحرك لترتيب الهدنة، كان التوتر بين موسكو وأنقرة قد بلغ مستوى أعلى منذ بدء تركيا في قصف مواقع سورية تسيطر عليها القوات التابعة لـ«الحزب الديمقراطي الكردي» ومنظمات صغيرة متحالفة معه.

كان هذا التطور مقلقاً لكل من واشنطن وموسكو اللتين توزعان الأدوار بينهما في دعم تلك القوات، وازداد قلق روسيا بصفة خاصة عندما أعلنت السعودية استعدادها لإرسال قوات برية إلى سوريا في إطار التحالف الدولي ضد الإرهاب، سعياً لخوض مواجهة حاسمة ضد تنظيم «داعش» الذي تتخذه قوى دولية وإقليمية ذريعة لدعم نفوذها في المنطقة.

وعندما حذّر رئيس الوزراء ميدفيديف من احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة، كانت روسيا أول دولة تعبر رسمياً عن عدم استحالة هذا الاحتمال الذي يدور جدل في مراكز أبحاث وتفكير ووسائل إعلام عدة في العالم بين من يستبعدونه ومن يرونه ممكناً.

وفي إطار هذا الجدل ذهب بعض من لا يستبعدون احتمال الحرب الثالثة إلى أن مقدماتها صارت موجودة بالفعل، بل تضمن أحد التقارير التي نُشرت قبيل الهدنة أن هذه الحرب ربما تكون قد بدأت فعلاً بشكل مُصغر في حلب السورية.

وقارن بعض الخبراء في سياق هذا الجدل بين الأجواء الراهنة في المنطقة، وتلك التي كانت قائمة في أوروبا عشية الحرب العالمية الأولى عندما تحولت عملية اغتيال ولي عهد النمسا على يدي طالب صربي إلى أزمة أشعلت هذه الحرب، رغم أن الأزمة كانت بعيدة عن القوى الأوروبية الرئيسية في حينه.

ورغم صعوبة استبعاد أي احتمال في ظل تعقيدات الوضع الراهن في المنطقة، ربما تكون عولمة حرب «الميليشيات» التي فرضتها إيران، وجاءت روسيا لدعمها، أقوى من سيناريو حرب على نسق حربي 1914 -1918، و1939 -1945، فهناك حرب «ميليشياوية» جارية بالفعل وهي آخذة في التوسع، وقابلة لأن تأخذ طابعاً عالمياً، بعد أن تراكمت العوامل المغذية لها على مدى أكثر من عشرة أعوام.

فقد تسبب الغزو الأميركي للعراق في إعادة إنتاج ما أدى إليه الاحتلال السوفييتي لأفغانستان من زاوية نشوء «ميليشيات» لا يقتصر هدفها على مواجهة الغزاة.

وتورط النظام السوري بشكل مباشر في دعم بعض «الميليشيات» الأكثر تطرفاً بدءاً بتنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين»، في إطار دعوته في تلك الفترة إلى «زلزلة الأرض تحت أقدام» الاحتلال الأميركي للعراق، كما حصلت هذه «الميليشيات»، وفي مقدمتها «القاعدة»، على دعم إيراني، قبل أن تسفر عن موقفها المعادي للشيعة.

ثم تحولت طهران باتجاه إقامة «ميليشيات» تابعة لها. وتنامى نفوذ هذه الميليشيات وصارت أقوى من الجيش الرسمي الجديد، كما دعمت واشنطن نوعاً آخر من الميليشيات في المناطق الشمالية «السُّنية» تحت مسمى «الصحوات».

وعندما اندلعت الانتفاضة السلمية في سوريا، كان تكتيك نظام الأسد وإيران هو إغراقها في محيط من العنف، الأمر الذي فتح الباب لتنظيمات متطرفة وإرهابية بدءاً بـ«جبهة النصرة» التابعة لتنظيم «القاعدة»، ووصولاً إلى «داعش»، ووفرت تلك الظروف لإيران فرصة مواتية لإرسال بعض «الميليشيات» التابعة لها، فلم تترك طهران جماعة موالية لها في العالم إلا أشركتها في القتال في سوريا.

وخلق التدخل العسكري الروسي بيئة مهيأة لعولمة هذه الحرب «الميليشياوية»، في الوقت الذي تدعم واشنطن إنشاء مجموعات مسلحة جديدة على نسق «الصحوات» في شمال العراق.

وهكذا يبدو أن حرباً عالمية «ميليشياوية» أولى قد تكون أقرب من حرب عالمية تقليدية ثالثة، لأن خطرها يظل قائماً ما لم يحدث تقدم نحو حلول مستديمة، لا هدنات أو تسويات مؤقتة، للأزمات الكبيرة في المنطقة.

  • اسم الكاتب: د. وحيد عبد المجيد
  • المصدر: الاتحاد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة