بين طرد الديبلوماسيين وإيران وسورية

31.آذار.2018

من الطبيعي ألا يؤثر طرد أكثر من عشرين دولة غربية وأوروبية ديبلوماسيين روساً على خلفية اتهام موسكو بتسميم الجاسوس الروسي (لمصلحة بريطانيا) سيرغي سكريبال وابنته، على ميزان القوى بين موسكو من جهة، ودول الغرب والولايات المتحدة الأميركية، من جهة ثانية، لكن أكبر إجراء من هذا النوع في العلاقات بين الدول يؤشر إلى الانقسام الدولي الذي يتردد الخبراء في وصفه بالحرب.

كان يمكن لأزمة سكريبال أن تنحصر بين بريطانيا وروسيا لولا أن الصراع الأميركي الروسي على النفوذ في أوروبا يأخذ مداه الواسع منذ سنوات، ولولا امتداده إلى سورية والشرق الأوسط. ومن ميادينه التنافس على السيطرة على أسواق النفط والغاز، والذي اكتسب زخماً جديداً مع الاكتشافات الجديدة في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.

لطرد الديبلوماسيين الروس رمزيته. بعد سلخ موسكو القرم عن أوكرانيا في ردها على توسع «الناتو» نحو حديقتها الخلفية الحيوية، والرد الغربي بالعقوبات القاسية على اقتصادها، لم يجد فلاديمير بوتين سوى الميدان السوري للرد على الاستخفاف الأميركي بمصالح دولته. ومنذ 2015 لم يعد يملك سوى تلك الورقة لممارسة الحرب بالواسطة مع دول الغرب بموازاة أوراق أخرى ثانوية قياساً إلى عقيدته الردعية الجديدة بالذهاب إلى القتال حيث يعتبر أن المصالح الروسية مهددة. ينغمس بوتين أكثر فأكثر في التدخل في سورية، الميدان العسكري الوحيد المتاح له راهناً، في رده على تجاهل الغرب القوة العسكرية المتنامية لبلاده، فيساهم في إسقاط حلب تارة ويهجم على الغوطة تارة أخرى... لكنه يتعثر في تثبيت انتصاراته الميدانية بالحل السياسي، فيهرب إلى الأمام ويزداد تورطاً في المستنقع السوري ويستنزف موازنة بلاده، بعد أن خابت توقعاته بنمو في الاقتصاد للعام 2018، يعوض خسائر العقوبات. ويجبره التورط في سورية، تارة على صراع خفي مع شريكه الإيراني المتعثر اقتصاده هو الآخر، والساعي إلى تعويض استثماراته المالية في بلاد الشام بعقود إعمارية وعسكرية، ينافسه الدب الروسي عليها، وأخرى بمراعاة الحليف التركي الخائف من أن يمس تقاسم النفوذ المحتمل على الخريطة السورية مع واشنطن، إلى تهديد وحدة السلطنة. وهو مضطر لمراعاة مصالح صديقه الإسرائيلي فيغض النظر عن اختراقه الأجواء الخاضعة لسيطرته من أجل قصف الوجود الإيراني ومنع توسعه. ومضطر أيضاً للتعامل مع جموح نظام بشار الأسد نحو استعادة السيطرة بإيقاع يخالف إيقاعه، ومناوراته مع دول الغرب. هذا فضلاً عن أن عليه أن يتجنب الاصطدام المباشر بالوجود الأميركي على الأرض الذي يتوزع كما قالت موسكو نفسها على 20 قاعدة. إنه في اختصار مجبر على إدارة فوضى المصالح والنفوذ والحضور العسكري للعديد من الدول.

تندلع أزمة سكريبال في وجه الكرملين في توقيت يزيد من تعقيد الحسابات الروسية. فالتغيير في رجالات الإدارة الأميركية يعزز اتجاهات التشدد في مواجهة حليف بوتين الإيراني قبل 6 أسابيع من القرار المفترض لدونالد ترامب في شأن تجميد قبوله بالاتفاق النووي مع طهران أو مواصلة الالتزام به، وفي وقت تصعد الأخيرة من هجومها على السعودية انطلاقا من اليمن، بقصفها الأراضي السعودية بعدد غير مسبوق من الصواريخ، في وقت تجدد المملكة شراكتها مع إدارة ترامب على مواجهة التمدد الإيراني.

فيما تنتشي قاعدة حميميم الروسية بالتفوق على الغوطة، بالاستعداد لتجديد محاولاتها القضاء على حل «جنيف» للأزمة السورية عبر العودة إلى مسار «سوتشي» في القمة الروسية الإيرانية التركية بعد أيام، ينقسم الفريق الجديد في واشنطن بين منطق مواجهة الحليف الإيراني لموسكو بالحرب أو بالوسائل الاستخبارية والقوة الناعمة.

فمجيء جون بولتون إلى البيت الأبيض يرمز إلى الفريق المستعد لأي نوع من الحروب بالشراكة مع إسرائيل. لكن مجيء مايك بومبيو إلى وزارة الخارجية يرمز مع وزير الدفاع جيمس ماتيس، إلى التشدد في مواجهة التوسع الإيراني بالعقوبات والحصار والضغوط الاقتصادية ودعم الحلفاء في المنطقة، وترك إسرائيل تنفذ ضرباتها المحدودة التي لا تأخذ المنطقة إلى الحرب. وهناك من هذا الفريق من يعتقد أن تقليص نفوذ روسيا في سورية قد يكون «بتركها تنتصر» فيها وتغرق في إدارة مناطق النفوذ التي اقتطعتها مع طهران، وتواجه الحروب المتنقلة التي تغذيها واشنطن، مثلما حصل للاتحاد السوفياتي في أفغانستان. ويترك أصحاب هذا التوجه الحجج لتنفيذ ضربات محدودة في سورية معلقة، إلى أن يحين استخدامها، مثل اتهام النظام بأنه استعمل الكيماوي.

وفي الحالتين يرمي الضغط على موسكو إلى دفعها للخيار بين أن تبتعد عن طهران وبين أن تشترك معها في مواجهة الضغوط.

  • اسم الكاتب: وليد شقير
  • المصدر: الحياة اللندنية
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة