تفاهم روسيا وإسرائيل على الأسد

28.أيلول.2018

سيبقى حادث إسقاط الطائرة الروسية، في السابع من شهر سبتمبر/ أيلول الحالي، يلقي بظلاله على الوضع في سورية إلى وقت طويل، كونه كشف عن جملةٍ من الأوراق التي تلعبها أطراف النزاع، وهي تتبادل المصالح في هذا البلد المنكوب. وجرى التركيز، على مدار أسبوع، على التجاذب الروسي الإسرائيلي حول مسؤولية تل أبيب عن إسقاط طائرة الاستطلاع الروسية التي أصابها صاروخ روسي، أطلقته الدفاعات الجوية السورية باتجاه طائراتٍ حربية إسرائيلية، كانت تقصف أهدافا عسكرية قرب اللاذقية، وانهمكت الأطراف في مآلات التنسيق بين موسكو وتل أبيب في سورية ومستقبله، وهو التنسيق الذي بدأ عمليا بعد فترة قصيرة من التدخل العسكري الروسي لنجدة نظام بشار الأسد الذي كان يتهاوى، ولم تعد إيران قادرةً على إيقافه على قدميه، وتبين أن هذا المعطى دخل في صلب اتفاقات روسيا وإسرائيل، وقبلت به دمشق وطهران.

وتكشّف، أخيرا، بما لا يقبل التأويل أو الشك، أن التفاهم الأساسي بين إسرائيل وروسيا يقوم على قاعدة أن توافق تل أبيب على تدخل روسيا لنجدة الأسد، في مقابل موافقة روسيا على استمرار إسرائيل في الغارات على أهداف عسكرية داخل سورية، تعود، في الدرجة الأولى، لإيران وحزب الله، وخصوصا مخازن وشحنات الأسلحة التي ينقلها حزب الله من سورية إلى لبنان.

كانت إسرائيل، في عام 2015، الطرف الإقليمي الأكثر قوة من بين أطراف المعادلة السورية، ويتضح اليوم أنها كانت قادرة على فرض شروطها على بقية الأطراف. ويتبين، بمفعول رجعي، أنها قايضت ورقة بقاء الأسد بامتيازات ومصالح كثيرة داخل سورية. وفي هذه المعادلة، ما يهمّ روسيا هو بقاء الأسد الحارس لمصالحها. وما يعني إسرائيل هو ضرب النفوذ الإيراني في سورية. ويظهر من ذلك أن موسكو وتل أبيب على قدر كبير من التفاهم الذي بات راسخا، على الرغم من الخضّات، بما في ذلك إسقاط طائرة التجسّس الروسية قرب اللاذقية، في حين أن موسكو وطهران لا تتمتعان بالسوّية نفسها من التفاهم الذي يبقى معرّضا لمساومات روسيا التي باتت تتحكم بالقدر الأكبر من الأوراق السورية.

كشفت عملية إسقاط الطائرة أن التنسيق بين إسرائيل وروسيا يتم بدقة كبيرة منذ عام 2015، وفي كل مرة كانت إسرائيل تريد ضرب أهداف داخل سورية، كان عليها فقط أن تُعلم الجانب الروسي من خلال الخط الساخن. وفي حادثة الطائرة أخيرا جرى تضليل الروس، حسب ما جاء في التقرير النهائي، وورد فيه أن إسرائيل أعطتهم إشعارا بأنها سوف تضرب في الجنوب، لكنها ضربت في الشمال، عدا عن أنها استخدمت الطائرة الروسية للتشويش، ولم يأخذ الروس بهذه الرواية، الأمر الذي يثير الشكوك حول تفاصيل وخفايا لا يريد الطرفان الكشف عنها في الوقت الراهن، وقد يتكشّف، ذات يوم، أن مشكلة إسرائيل هي طائرة التجسّس الروسية نفسها.

اللافت في هذه الأزمة هو غياب طرفي النظام السوري وإيران والمليشيات التي تقاتل معه. وعلى الرغم من أن الحديث يجري بصراحة عن تفاهم إسرائيلي روسي لضرب الأهداف الإيرانية داخل سورية، فإنه لم يصدر أي موقف إيراني أو من طرف حزب الله الذي أكد، أكثر من مرة، وجود غرفة عمليات مشتركة في حميميم. والسؤال اليوم، هل تكتفي طهران بهذا القدر من الغنيمة السورية، وهي التي استثمرت غاليا في هذا البلد؟

يبدو أن ما حققته طهران من التفاهم مع موسكو حتى الآن هو بقاء الأسد في الحكم، وهذا ما تضمنه روسيا عن طريق التفاهم مع إسرائيل، وبذلك يصبح الأسد قاسما مشتركا بين أطراف صراع المصالح في سورية، وهذا ما يجعل من بقائه رهينة مصالح الخارج.

  • اسم الكاتب: بشير البكر
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة