توم وجيري يتصارعان فوق أرض تدمر

05.آذار.2017

بعد انتهاء لقائه مع دي ميستورا مساء الأربعاء الماضي، ظهر رئيس وفد سلطة الأسد في جنيف4، أبو شهرزاد الجعفري كالديك الرومي، وأعلن في مؤتمره الصحفي، خبره السعيد بتحرير كامل مدينة تدمر من " تنظيم داعش الإرهابي ". وقد زفّ أبو شهرزاد هذه البشرى السارة للعالم المتحضر كله في القارات الخمس. وهل هناك بشرى أعظم وأجلّ عند العالم المنافق من تخليص تدمر من العصابات الإرهابية.!؟. وهل هناك جهة أصدق وأقدر من سلطة الأسد على محاربة الإرهاب والقضاء عليه.!؟.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف حدث وتم " تحرير " تدمر وإعادتها إلى حضن الأسد.!؟.

بالعودة إلى أحداث الصراع بين الطرفين، لاسيما في منطقة تدمر، يدرك حتى أصحاب العقول البسيطة أن سلطة الأسد وتنظيم الدولة، ليسا إلا وجهين لعملة واحدة، فالطرفان يهدفان إلى تدمير الوطن والشعب معاً، ونظرة سريعة لمجرى الأحداث منذ ظهور تنظيم الدولة، وحتى الآن تؤكد ذلك.

ولو حصرنا حديثنا في الصراع على تدمر، لأدركنا أن ما جرى ويجري هناك منذ أكثر من سنتين، لم يكن إلا مسرحية فاضحة ومفضوحة، القصد منها تدمير هذه المدينة التاريخية الأثرية العريقة، وتقتيل سكانها أو تشريدهم في أصقاع الأرض.

في البداية كان الصراع بين الطرفين على حقول النفط والغاز المجاورة لمدينة تدمر، وحين ينجح تنظيم الدولة في السيطرة على أحد الحقول، تسارع سلطة الأسد إلى القيام بـ " عملية التبادل الاقتصادي "، تأخذ النفط أو الغاز من تنظيم الدولة، وتعطيه ما هو بحاجة إليه من العملة الصعبة، وفي الوقت نفسه تظل البواريد والمدافع شغّالة بين الطرفين.!!.

وفيما بعد اشتهى تنظيم الدولة، وبالتوافق الضمني مع سلطة الأسد، أن يسيطر على تدمر المدينة، فكان ذلك في أيار 2015، وترافق بتدمير فظيع لمعالم المدينة وأحيائها، ولا بأس في ذلك، ما دامت المنافع متبادلة بين الطرفين، فالتنظيم يحاول أن ينبش ما تبقى من الآثار ويبيعها في السوق السوداء، بعد أن شبع أعوان الأسد نبشاً وبيعاً من تلك الأثار. أما الصروح الأثرية الكبيرة التي لا يمكن نقلها وبيعها، كمعبد "بل" و"قوس النصر" وواجهة المسرح الروماني وغيرها، فقد قام التنظيم بتمدير الكثير منها، إرضاء لشهوات أنصاره، فتلك أصنام الكافرين، ولابد من تدميرها، وإعلاء كلمة الله العليا.!!.

أما منفعة الأسد من وراء تسليم تدمر للتنظيم فهو المتاجرة بهذه القضية والتأكيد على أن خطر الإرهاب الإسلامي سوف يمتد وينتشر، وربما سيصل إلى مخادع الدول الكبرى ما لم تقم بمساعدة الأسد والأخذ بيده وإبقائه جالساً إلى الأبد على عرش سورية الأسد.!!.

وحين جاء الدب الأبيض ليحارب الإرهاب الإسلامي، وبمباركة الكنيسة الموسكوفية، لم يتوجه إلى تنظيم الدولة مباشرة، بل هدفه المدن التي تغص بالعمران والإنسان، وراح يمعن قتلاً وتدميراً، فكانت جميع ضحاياه من المدنيين، نساء وأطفالاً وشيوخاً، ومن العمران، بيوتاً ومستشفيات ومخابز ومرافق عامة وسيارات إسعاف وشاحنات إغاثة. ولكنه لم يستطع أن يجني من وراء ذلك أي نصر عسكري مأمول. وأخيراً توجه إلى تدمر في آذار 2016، وجرت هناك ملحمة كاذبة أدت إلى طرد تنظيم الدولة من تدمر.

واحتفالاً بهذا النصر المؤزر، وبأوامر من الدب الأبرص، جاءت الفرقة الموسيقية التي تمثل " عظمة " القياصرة الروس، وبدأت تعزف نشيد النصر، وهي تجلس على أنقاض ما شيدته زنوبيا ملكة تدمر من عمران يصعب وصفه، وتعجز حضارة القرن العشرين عن الإتيان بمثله أو حتى تقليده. وليت الجاهلين يعلمون أن من شيّد تلك الصروح العمرانية، هم عقول هندسية عربية عاشت في زمن كان فيه الروس مجرد مخلوقات همجية، هي والبهائم سواء.

وربما تخيل المتخيلون أن تدمر صارت ولاية روسية، ولن يقترب تنظيم الدولة منها، ولو حتى في الأحلام، لكن الذي حدث أن العلاقة بين التنظيم وسلطة الأسد ومعها روسيا وإيران، ظلت كعلاقة القط والفأر، أو كعلاقة " توم وجيري "، حسب تعبير نصر الحريري رئيس وفد المعارضة إلى مؤتمر جنيف4. والطرفان يتبادلان الأدوار، فتنظيم الدولة حين يتقمص شخصية " توم "، يقوم الأسد وشركاه بتقمص شخصية جيري، وهكذا دواليك بالتناوب.

وبعد أن تم تدمير حلب الشرقية وإخراج أهلها، أرادت روسيا أن تخفف من " وقع الصدمة " على الشعب السوري، فلعبت على الحبلين، وأعطت تنظيم الدولة بطاقة مرور لاستعادة تدمر إلى حضنها الدافئ.!!. وهكذا حصل، ففي كانون الأول من العام نفسه 2016 استعاد التنظيم السيطرة على تدمر، واغتنم الكثير من الأسلحة الروسية الخفيفة والثقيلة التي خلفتها قوات القيصر العظيم بعد هروبها السريع المذهل. وهكذا ارتفع شأن " أبطال التنظيم " في عيون المعجبين والمريدين.!!.

وفي هذه الأيام العصيبة، وفي خضم الصراع الكلامي في جنيف4، بشّر أبو شهرزاد، كما أسلفنا، بعودة تدمر إلى حضن الأسد. وقد جاءت هذه العودة بفرمان روسي، بدليل أن وزير الدفاع سيرغي شويغو، أبلغ بوتين باستعادة السيطرة على تدمر، دون أن يبدي مقاتلو التنظيم أية مقاومة أو شراسة، بل كان الأمر أشبه بالانسحاب الأنيق. فكيف حدث ذلك.!؟. هذا علمه عند من ترك تدمر، وعند من عاد إليها.

ولو تركنا علم الكلام الهزلي، واعتمدنا علم التحليل السياسي المبسط. لقلنا إن هناك أيضاً لعبة شبيهة بلعبة " توم وجيري " في منطقة منبج في الشمال السوري، فتنظيم الدولة سلمت العديد من القرى لقوات الأسد، وكذلك فعلت قوات سورية الديمقراطية، حيث سلمت هي الأخرى بعض القرى القريبة من منبج بهدف قطع الطريق على قوات درع الفرات ومنعها من تحرير المدينة. وهذا هو الهدف العسكري الذي تلعبه روسيا، ربما بتناغم مبطن مع إدارة ترامب الجديدة.

أما هدف روسيا السياسي، فهو امتلاك المزيد من أوراق الضغط على المعارضة التي ليس بيدها أية ورقة تلعبها سوى القبول بما يُملَى عليها، وهكذا نجدها تتنازل عن مبدأ بعد آخر، وتتدهور درجة بعد أخرى، وإن استمرت في هذا النهج، ستضطر في النهاية إلى رفع الراية البيضاء، وإعلان استسلامها أمام دستور وزير خارجية بوتين، والقبول بانتخابات " نزيهة " تشرف عليها روسيا الحيادية.!!. بذات نفسها، ومن يرفض فلسان حال لافروف يقول: روحوا بلّطوا البحر، فهناك بديل عنكم في منصات القاهرة وموسكو وبيروت، وهي مستعدة أن تنفذ أكثر مما هو مطلوب منها، وتستطيع حتى أن تدبك على أنغام: بشار الأسد قائدنا إلى الأبد.

أليس هذا هو الواقع المرير، في الوقت الراهن.!؟.

  • اسم الكاتب: عبد الرحمن عمار
  • المصدر: شبكة شام الاخبارية

الأكثر قراءة