جبهة النصرة على خطى داعش

13.كانون1.2014

سيطرت جبهة النصرة، خلال الشهر الماضيّ، على مناطق عدة في ريف إدلب وريف حماه، بعد مواجهة مسلحة مع جبهة ثوار سورية وحركة حزم وفصائل أخرى من الجيش الحر. كما اقتحمت النصرة 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2014 مدينة الرستن في ريف حمص الشمالي، واعتقلت قادة كتائب أهليّة، قبل أن تنسحب، وتنشر حواجزها خارج المدينة. وعلى الرغم من أن اقتحام الرستن هو الأول لجبهة النصرة في محافظة حمص، فإنه يأتي استكمالاً لمسار عسكريّ جديد، بدأته في قرى ريف إدلب على الحدود السورية التركيّة مطلع أغسطس/آب 2014.

يقف هذا المقال عند التطورات الأخيرة في الشمال السوري ودوافع الجبهة لتغير سلوكها وخطابها، ورصد إذا ما كان هذا التغير تكتيكاً مرحليًا، فرضته الظروف الراهنة، ولاسيما بعد تشكل التحالف الدولي، أو نتيجة مراجعات فكرية وتنظيمية.
تبدل الأولويات وتغير القيادة
أشرنا، في مقالات سابقة، إلى أن "النصرة" غداة تأسيسها، تجنبت طرح الشعارات الكبرى، كإقامة الدولة الإسلاميّة وتحكيم الشريعة، وقدمت نفسها للفصائل المسلحة، وللبيئات الاجتماعية الحاضنة تحت عنوان "دفع الصائل"، ومساعدتهم ضد قوات النظام. كما اصطفت، وعلى الرغم من انتمائها للسلفية الجهاديّة، إلى جانبهم، في المواجهة المسلحة مع داعش، مطلع عام 2014، والتي انتهت بطرده من عموم مدن الشمال، باستثناء الشمال الشرقي. لكن انتعاشة داعش العسكريّة، بعد سيطرته على الموصل، وتوسع نفوذه في العراق وسورية، وإعلانه الخلافة الإسلامية، ألقت بتداعياتها على جبهة النصرة، وفرضت تغيرات على مستوى القيادة والأولويات.

لم تكن خسارة "النصرة" أمام داعش عسكريّة فقط، بل نجمت عن انضمام كثير من مقاتليها ومنتسبيها لداعش ومبايعتهم البغدادي. لم تسطع الجبهة، وعلى الرغم من مبايعة الجولاني الصريحة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وتأكيدها المستمر هدفها المستقبلي بإقامة حكومة إسلامية، وتحكيم الشرع مواجهة الخطاب الجهادي المزاود لداعش، والذي يرفع الشعارات الكبرى، ويقدم نفسه تطبيقاً عمليّاً وواقعياً لها. كما أن اتهامات داعش النصرة بالتحالف والتعاون مع من يسميهم "القوميين والعلمانيين والليبراليين"، والفصائل "المتحالفة مع أعداء الأمة" أتت أكلها، وساهمت باستنزاف الجبهة عدديا. فالأخير أضحى بنظر جهاديين كثيرين خلافة إسلاميّة، قائمة في حيز جغرافيّ معين، وأن "أدبياتهم الفكريّة" تفرض عليهم الالتحاق بها، والقتال تحت رايتها.

" انتعاشة داعش العسكريّة، بعد سيطرته على الموصل، ألقت بتداعياتها على جبهة النصرة، وفرضت تغيرات على مستوى القيادة والأولويات "

فرض الواقع السابق خيارين على جبهة النصرة، فإما أن تتخلى عن بعدها الجهادي "الأممي"، وتتكيف مع ظروف محيطها، وتعيد هكيلة بنائها التنظيمي، لتصبح سلفية جهاديّة وطنية، على غرار حركة أحرار الشام، أو تحافظ على بنيتها الفكرية والتنظيمية، من دون تغير وتسد "الذرائع" أمام المنسحبين، برفع حدة خطابها، ورفع سقف أهدافها، والانغلاق على ذاتها كحركة جهاديّة، لها مشروعها الخاص خارج حسابات الثورة السورية وأهدافها. فضلت قيادة "النصرة"، وبحسب مؤشرات عدة، الخيار الثاني، وبدأت أولى خطوات تطبيقه، بعزل الشرعي العام السابق، أبو مارية القحطاني، المعروف بعدائه لتنظيم الدولة، وحرصه على العمل الجماعي مع الفصائل المختلفة، أكان ذلك في الهيئات الشرعية المشتركة، أو في العمليات والغرف العسكريّة، وتعيين الأردني سامي العريدي شرعياً عاماً جديداً للجبهة. يجدر الإشارة إلى أن العريدي، كما توضح مقابلته، بعنوان "منهج وعقيدة جبهة النصرة"، ميال لتقديم مسألة الحكم والتحكيم على هدف "دفع الصائل". وتماشيًا مع التوجه الجديد، سربت منتديات جهاديّة كلمة مسجلة للجولاني، لمقاتلين في تنظيمه، يبشرهم باقتراب قيام "الإمارة الإسلاميّة"، وهو ما أكدته الجبهة، في بيان توضيحي، نافية في الوقت نفسه "اقتراب" إعلانها.

أوضح بيان "النصرة" الصادر في 12 يوليو/تموز 2014 رغبتها منفردة بإقامة دور قضاء لتحكيم الشريعة ومؤسسات لحفظ الأمن، بدلاً من الهيئات الشرعية القائمة في المناطق المحررة. كما تضمن، وللمرة الأولى، تحذيرا للفصائل السورية مما سماها "المشاريع العلمانيّة" و"قطف ثمار الجهاد"، وتهديدًا بقتال "المجموعات المفسدة" في المناطق المحررة. وبمجرد صدوره، انسحبت من الهيئات الشرعية، وشرعت بإقامة محاكمها، وأسست أجهزة أمن خاصة، وأوقفت التعاون ضمن غرف عسكريّة كثيرة. وتحت عنوان مكافحة الفساد والتهريب، دخلت، بداية شهر أغسطس/آب، مواجهة مسلحة مع كتائب تابعة لجبهة ثوار سورية، في حارم وسلقين وجسر الشغور، انتهت بسيطرتها على معظم قرى الشريط الحدودي مع تركيا. ومنذئذ، حدثت اشتباكات ومواجهات عدة بين "النصرة" وكتائب أهليّة، أو فصائل تابعة للجيش الحر، أشدها ما حصل في قرية البارة 27 أكتوبر/تشرين الأول 2014، والتي توسعت، لاحقًا، لتشمل جبل الزاوية وريف معرة النعمان وقرى في ريف حماه.
استباق مخاطر مستقبلية
مع بوادر تشكل تحالف دوليّ لمواجهة "داعش"، حاولت جبهة النصرة، المدرجة على القائمة الأميركية وقائمة مجلس الأمن حركة إرهابيّة، أن تمايز نفسها عنه لتتجنب ضربات التحالف. فعلى سبيل المثال، بادرت 25 أغسطس/آب 2014، وبوساطة قطرية، لإطلاق الصحافيّ الأميركي، بيتر ثيو كورتيس، المحتجز لديها، وذلك بعد أيام ذبح داعش الصحافي الأميركي، جيمس فولي. كما سعت، في مفاوضتها، لإطلاق جنود قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (الإندوف) المحتجزين لديها، لرفع اسمها من لائحة الإرهاب. وعلى الرغم من مساعيها، فإن "النصرة" فشلت في تجنب قصف التحالف، والذي بادر إلى قصف مقراتها، يوم بدء ضرباته 23 سبتمبر/أيلول 2014. واستباقًا لخطر تشكيل قوة عسكريّة من "المعارضة المعتدلة"، تساند التحالف على الأرض، بدأت النصرة التصعيد ضد من تراهم "خصومًا" حاليين ومستقبليين، وفي مقدمتهم جبهة ثوار سورية، وقائدها جمال معروف، المدعوم سعوديًا. لذلك، استغلت النصرة النزاع المسلح الذي جرى بين جمال معروف ومجموعة انشقت عنه، وطلبت مساندتها، للقضاء على معروف، وتحجيم نفوذه في جبل الزاويّة، وريف معرة النعمان. بررت "النصرة" حربها على معروف، بداية بالقضاء على الفساد والسلب والنهب، لكن
التفافها على مبادرات الواسطة والتحكيم، وخرقها اتفاق الفصل بين المتحاربين الذي رعته حركة أحرار الشام، وكذلك الهجوم على مقرات حزم والاستيلاء على أسلحتها الثقيلة والخفيفة، وقد دل ذلك على أن ما رُوّج ليس إلا ذرائع لتحقيق هدف أكبر، يتمثل بالقضاء على الجيش الحر، خشية تحوله مستقبلاً إلى حليف للتحالف ضدها، على الرغم من إدانة كثير من فصائله، استهداف التحالف مقراتها.

" حدثت اشتباكات ومواجهات عدة بين "النصرة" وكتائب أهليّة، أو فصائل تابعة للجيش الحر، أشدها ما حصل في قرية البارة 27 أكتوبر/تشرين الأول 2014 "

توضح المؤشرات السابقة أن "النصرة" تسير على خطى داعش، لجهة استخدام السلاح للتعامل مع الخصوم، بعد شيطنتهم، أو تكفيرهم مع نزوع لفرض سلطتها، إدارياً وعسكرياً، على المناطق المحررة منفردة. لكنها تنحو مدخلاً مختلفاً، وتتبع أسلوباً أكثر ذكاء وأقل فظافة. فبخلاف داعش، تحرص "النصرة" على الاستمرار في قتال قوات النظام والمليشيات المساندة له، ولاسيما في الجبهات الصعبة، كحندرات ونبل والزهراء والقلمون، للحفاظ على سمعتها القتالية، وتخفيف المعارضة الفصائلية والشعبية، لتوسعها وقتالها مع فصائل الجيش الحر. كما أنها، وبحكم خبرتها، تلعب على تناقضات الفصائل وخلافاتها. فعلى سبيل المثال، استغلت الخلافات السابقة بين جبهة ثوار سورية وأحرار الشام، والتنافس على جبل الزاوية بين جمال معروف وأبو عيسى الشيخ، قائد صقور الشام لضمان عدم معارضتهما، أو على الأقل، حيادهما. وفي الوقت نفسه، تستغل وجود مظاهر سلب ونهب، تقوم بها مجموعات مسلحة تحت اسم "الجيش الحر" لاقتحام مدينة، أو منطقة معينة، وهو ما حصل في ريف إدلب على الحدود السورية التركية، وفي الرستن، وبعض قرى ريف حماة.

أيًا تكن مبرراتها، فإن "النصرة" بسلوكها وخطابها الجديد القائم على تكفير المعارضة السورية وفصائل الجيش الحر قد تضع نفسها مستقبلاً، في مواجهة حتميّة مع شرائح مجتمعيّة، ينتمي إليها مقاتلو الفصائل، وشرائح أخرى واسعة، طالتها فتاوى وممارسات استفزازيّة لعناصر ودعاة تحسب عليها. كما أن تحالفها مع جماعة جند الأقصى، وضمها لمنشقين عن داعش يعمق الهوة مع بيئات اجتماعية، ضاقت ذرعا بممارسات سابقة لهؤلاء، وفرض على أبنائها حمل السلاح لطردهم.

لطالما دافع سوريون كثر عن "النصرة"، على الرغم من اختلافهم مع أفكارها وأيديولوجيتها، ومدحوا بأس مقاتليها وضراوتهم، في قتال قوات النظام. لكنهم أملوا بمراجعات فكرية داخلها، لتتخلى عن البعد الجهادي الأممي، المرتبط بالقاعدة، وتميل إلى تبني خيارات وطنية سورية. لكن عقدة البقاء، وتزمّت القيادات، أعاقا توجهاً إصلاحياً كان، إلى ما قبل شهور قليلة، حاضراً في تفكير الجبهة.

  • اسم الكاتب: حمزة المصطفى
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة