جنيف بطعم أستانة

04.تشرين1.2017
صورة تعبيرية أرشيفية
صورة تعبيرية أرشيفية

يخفف مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، في إحاطته المقدمة أخيرا إلى مجلس الأمن الدولي، في 27 سبتمبر/أيلول، من فداحة الواقع السوري، خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر سبتمبر/أيلول الفائت، إذ يقارن على ما يبدو عدد الضحايا الذين يسقطون في المناطق التي فتحت روسيا والنظام السوري وإيران النار عليها أخيرا (ريف دمشق وإدلب وحماة وحوران)، بعدد ثابت كانت تحدثه هجمات هذه القوى المتحالفة ضد مناطق حاضنة للشعب المعارض للنظام السوري، متناسياً أن هذه المناطق يجب أن تحظى بالأمان الكامل الموعود من اتفاقات خفض التصعيد، واتفاقات مؤتمر أستانة، خلال جولاته الست الماضية، والتي تضمنها وترعاها وتتوسط خلالها القوتان الرئيستان في عمليات القصف الوحشي على سورية، إيران وروسيا.

وعلى الرغم من أن دي ميستورا استخدم صيغة الفعل المبني للمجهول "يُزعم"، في إشارته إلى ضرب المدنيين والبنية التحتية والمرافق الصحية، في إحاطته في مجلس الأمن، وقوله إن "الضربات الجوية هي الأولى منذ إبريل/نيسان لإدلب وحماة"، لتجنب الحديث عن الفاعل في القصف الجوي، إلا أنه استخدم الصيغة القطعية للتعريف بالفاعل في الحديث عن قصف المدن الخاضعة لسيطرة النظام، حيث قال: "فضلاً عن قصف المعارضة الشديد لبلدات مدنية خاضعة لسيطرة الحكومة في حماة واللاذقية"، ولم يكن دي ميستورا وحيداً في محاولة حماية الفاعل في تدمير البنى التحتية، حيث شارك مستشار الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في سورية، يان إيغلاند، المبعوث الأممي، أسلوبَ التعتيم اللغوي على الفاعل "إنه ليس واضحاً من نفذ هذه الهجمات على إدلب"، معتبراً أنها، أي الهجمات، "جزء من نهج متصاعد ضد شرايين الحياة الإنسانية".

يبدو أن دي ميستورا يملك أجهزة رصد تتابع أعمال المعارضة القتالية، فيما لا يمكنه فعل ذلك مع القوة الروسية التي لا تخفي أنها تقصف إدلب، مبررة ذلك بأنها "تستهدف المسلحين وعتادهم". وعلى الرغم من أن هذا الاستهداف لا يبرر قتل نحو 150 مدنياً، وتدمير المنشآت الحيوية، لكنها ليست المرة الأولى التي تلجأ موسكو إلى نقض اتفاقياتها، وقصف المناطق المتفق على خفض التصعيد فيها، بهدف "تنظيف" هذه المناطق من كل آثار الحياة الطبيعية فيها، كما حدث في حلب، واستلامها خاليةً من المعارضة بكل أشكالها، سياسية وعسكرية، أو في أحسن الأحوال أن تكون هذه المناطق مكسورة ومهيأة لقبول الإدارة الجديدة التي تتهيأ روسيا لإنشائها، بالشراكة مع الضامنين لاجتماعات أستانة، تركيا وإيران.

جبهة النصرة، أو هيئة تحرير الشام حسب تسميتها، شريك فاعل في إدارة الصراع في المناطق المختلف على تبعيتها للضامن "الأستاني"، حيث تهيئ هذه الجهة الظروف المقنعة للمجتمع الدولي بقبول التدخل الروسي، واستفراده في حربه على المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، بغطاء أنه يمارس حربه المشروعة ضد الإرهاب (القاعدة)، لكن تبرير ضرب المدن تحت هذه الذرائع، وتجاهل الوسيط الدولي للخروق التي ترتكبها روسيا ذاتها في إحاطته، والالتفات عن الدور السوري للفصائل في التعامل مع ملف "النصرة"، يفيد بأن ثمة اتفاقات غير معلنة بين الضامنين الثلاثة لاجتماعات أستانة، ولعلّ هذه الاتفاقات هي التي أتاحت لموسكو فتح النار من جديد في مناطق خفض التصعيد، والذهاب إلى فرض حلول تتناسب وأطماعها:
أولاً، سواء في بسط سيطرة النظام على كامل المدن والمناطق، خصوصا ذات الطابع الاقتصادي، ومنها ما يدور اليوم من خلاف حول معبر نصيب، في المنطقة الجنوبية درعا، حيث قدرت وارداته في عام 2010 بما يقرب من ملياري دولار، ومحاولة الهيمنة الكاملة عليه، تحت التهديد الروسي ومساندته قوات النظام التي تلوّح بشن هجوم ساحق على فصائل المعارضة، على الرغم من أنها واقعة ضمن مناطق خفض التصعيد. ويأتي ذلك ضمن رؤية روسيا التي تفاوض المعارضة في الأردن، وتعتبر أن كل من وقّع معها اتفاق خفض التصعيد ملزم بالحل الذي تفرضه، لسورية المنزوعة المقاومة والمعارضة، بشقيها السياسي والعسكري، ما بعد مناطق خفض التصعيد. ومن هنا، يأتي الشك أن ما تردد على لسان المندوب الروسي في "أستانة 6" أن المرحلة اللاحقة ستكون الحرب على من هم ضد الحكومة السورية. وعلى الرغم من نفيه من موسكو، إلا أن ما يحدث في إدلب من قصف على الفصائل نفسها التي حضرت "أستانة" يجعل من ذلك النفي مجرد حالة إعلامية ليس أكثر.

ثانياً، في إعلان صريح أنها اليوم صاحبة اليد العليا في توزيع الغنائم على الجهات المشاركة في الصراع الدولي على سورية، بعد انحسار الدور الأميركي في مهمة قتال "داعش" وحماية ذراعها العسكرية (قوات سورية الديمقراطية) في المنطقة، وهو ما يفسر خلط الأوراق من جديد، وإعادة توزيع خريطة الحضور الإيراني والتركي، بعيداً عن الإرادة الأميركية التي صرحت مرات عن ضرورة إخراج المليشيات الإيرانية من سورية، وعدم السماح لها بالوصول إلى المنافذ الحدودية، سواء مع العراق أو الأردن، في حين أن وصول قوات النظام إلى دير الزور يعني الوجود الإيراني في هذه المناطق التي كان يعتقد أنها خط أحمر، لا يسمح لإيران بالوصول إلى حدوده، في وقتٍ تظهر جلياً آثار الخطوات الإيرانية ما بعد تلك الخطوط في الشمال والجنوب.

يبدد دي ميستورا مخاوف المتشائمين بإعلانه عن موعد الجولة الجديدة من جنيف المقرر بعد نحو شهر. وعلى المعارضة أن تلتزم "رغبة النظام" خلال هذا الوقت، لأنه يريدها أن تجلس مقابلة له وهي موحدة، كما أوضح المبعوث الأممي الذي يأمل فعلياً ذلك، بيد أن دي ميستورا الذي أشار إلى وجود آلاف الأسر السورية التي تعاني من غياب أقاربهم، وعدم معرفة مصائرهم، لم يطلب من النظام المسؤول الأول عن الاعتقالات أن يحضر إلى جنيف. وهو كما تريده المعارضة متخففٌ من ملف المعتقلين، وقد أفرج عنهم، وهو أمر لا يحتاج إلى قراراتٍ مشتركة، بل إلى إرادة النظام في عمليةٍ سياسيةٍ تؤسس لحكم ذي مصداقية وشامل للجميع على الصعيدين، المحلي والمركزي، وهذه إشارة ذكية ومبطنة لدي ميستورا عن أن الحكم الذي يتحدث عنه هو أقرب إلى الفيدرالية منه إلى المركزية.

ربما لم يعد يجدي نفعاً التذكير بأن الذهاب إلى جنيف بات للتوافق على منتجات أستانة والاتفاقات فوق التفاوضية التي جرت في الأردن والقاهرة وجنيف، وهي منتجات جعلت كل الأطراف السورية على قائمة الخاسرين، ووحدها موسكو تنظر بإعجاب إلى نجاحاتها التي ستبارك لها الأطراف السورية عليها في جنيف المقبلة، مروراً كما تظن روسيا بمؤتمر الرياض 2 الذي سيغير المرجعية السياسية، لتكون على مقاس صانع "أستانة"، وهو ما تبشر به تصريحات قيادة المعارضة التي تراجعت عن شرط رحيل الأسد، لتوضح أنها "تتحدث فقط عن ضمانات رحيله فيما بعد، لأن ما تخشاه أن يبقى إلى ما بعد المرحلة الانتقالية، وينتقم من السوريين المخالفين".

  • اسم الكاتب: سميرة المسالمة
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة