"داعش" إرهاب خالص أم مشروع سلطة؟

24.كانون1.2014

منذ نهاية عام 2010، وعلى مدى أكثر من سنتين، شكلت مفاجأة الثورات والانتفاضات الشعبية التي اجتاحت تونس ومصر وليبيا واليمن، وأخيرا سورية، الشغل الشاغل للعرب وللعالم. انتفاضات أطاحت أهم الأنظمة وأعتاها قمعاً واستبداداً، منذ بداية السبعينيات، من معمر القذافي إلى حسني مبارك، ومن بشار الأسد إلى علي عبد الله صالح وزين العابدين بن علي. فرحة عارمة وتفاؤل بالمستقبل عمّا المنطقة، بعد نحو نصف قرن من الظلم والاستغلال وكمّ الأفواه باسم التحرر والاستقلال ومحاربة الاستعمار والامبريالية، وغيرها من شعارات برّاقة، وظّفت، بديماغوجية وشعبوية، كالوحدة والاشتراكية والقومية والعروبة، استغلالاً لقضية شعب فلسطين المقهور. حتى إنه لم تكن هناك من فسحة، ولو بسيطة، للحق في التعبير التزاماً بمقولة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، والمعركة هي مع العدو الصهيوني إسرائيل المغتصب الأرض والشعب الفلسطيني. وها قد مضى على هذا الشعار أكثر من نصف قرن، وما زال الشعب الفلسطيني يرزح تحت نير الاحتلال الاسرائيلي.

أقل من شهر من الحراك الشعبي كان كافياً لهروب بن علي (23 عاماً في السلطة)، وأقل من ثلاثة أسابيع أجبرت مبارك (30 عاماً) على الاستقالة، تبعها ثمانية أشهر من المواجهات الدموية المسلحة أنهت حكم القذافي المطلق (42 عاماً)، ثم سنة من الصمود الشعبي العنيد في شوارع صنعاء اضطرت صالح (34 سنة) إلى مغادرة السلطة، فيما دخلت انتفاضة الشعب السوري على نظام الأسد الأب والابن (44 سنة) في نفق دموي مظلم، لا يزال الخروج منه مجهولاً. انتفاضات شعبية عفوية، بعضها خاطف وبعضها متوسط المدى، تمكنت من دكّ أعتى الديكتاتوريات القومية والعسكرية في القرن العشرين.

" لشدة اهتمام "داعش" بالسلطة، لا يوجد، على سبيل المثال، أي أثر لفلسطين وإسرائيل في خطابه السياسي "

ولكن، بقدر ما كان انهيار هذه الأنظمة سريعاً، بقدر ما كان سريعاً أيضا ضياع، إن لم نقل فشل، بعض هذه الثورات، وانزلاقها إلى أتون تدميري قاتل لجذوة التمرد، وللأمل بسلوك طريق التغيير. صحيح أن التغيير لا يحصل بشحطة قلم، وصحيح أن الثورات عملية تراكمية تدوم عشرات السنين (الثورة الفرنسية)، ولكن أسباب التيه في الانتفاضات الليبية واليمنية والسورية كثيرة ومتشعبة ومتداخلة، لا مجال للخوض فيها هنا، إلا أن ما يعنينا هو الضياع والفراغ الذي حدث لمساراتها، ودفع بالمتضررين (وبقانون الطبيعة) إلى "ملء الفراغ"، وتحديداً في سورية والعراق. وسارع ما سمي "محور الممانعة" إلى حشد ما يملك من طاقات وتأثير سياسي ومذهبي وعسكري وجغرافي ولوجستي وتعبوي ونفسي، وإلى استعمال كل الأساليب المتوفرة بهدف إيجاد بدائل على الأرض، من أجل إجهاض الثورات وتأليب الناس عليها.

وكان الظهور "المفاجىء" لـ"داعش" من الساحة السورية، إثر إطلاق بشار الأسد سراح إسلاميين من سجونه، وزجهم في مواجهة الانتفاضة الشعبية السلمية. وأثبت هذا التنظيم عملياً أن لا علاقة له بـ"القاعدة"، لا يشاركها لا رؤيتها ولا أهدافها، ولا حتى أساليبها. أشهر خطاباً دينياً أصولياً متزمتاً، وبدأ على الفور عنفياً، دموياً، همجياً ومتوحشأً، يقطع رؤوساً لكي يفرض وجوده وسطوته على الأرض. وراح يجند مناصرين في مناطق سيطرة المعارضة على اعتبار أنه فصيل منها، وأخذ يتقدم شمالاً باتجاه الحدود التركية والعراقية، ولم يقاتل يوماً جيش النظام. سيطر على محافظة الرقة السورية وأقام فيها إمارته الاسلامية. ومع الوقت، توسع وتمدد في شمال العراق، وفي المحافظات السنّية تحديداً، رافعاً رايات الجهاد، ومعلناً "دولة الخلافة"، ومنصباً البغدادي "أميراً للمؤمنين".

لم يقاتل "داعش" صانعه النظام السوري، لكنه قاتل في العراق سلطة نوري المالكي، الإيراني الولاء. كبر وتوسع واشتد ساعده، مستفيداً أولاً من المناخ الثوري الذي ولدته الانتفاضات، بما فيها التي قامت بوجه المالكي في الأنبار. واستفاد ثانياً من عوامل ومعطيات ومصالح إقليمية ودولية، متداخلة ومتضاربة ومعقدة، أميركية كانت أم تركية أم خليجية، رأت فيه، على الأرجح، عنصراً من عناصر مواجهة مشروع "محور الممانعة" الإيراني-العراقي-السوري-الحزبللاوي وروسيا من ورائه، بعد أن تقاعست عن تقديم دعم فعلي للمعارضة السورية.

قاتل "داعش" وتوسع، وأصبح مشروعاً قائماً بذاته، عنوانه ووسائله و"عدة شغله" دينية إسلامية متطرفة. وهو يسعى، كما هو ظاهر، إلى ترسيخ وجوده، وتعزيز سلطته في المناطق التي يسيطر عليها، وخصوصاً في العراق. فهو تمركز في الأنبار، ولم يعد يتطلع إلى بغداد، ولم يعد مكترثاً على ما يبدو لمزيد من التوسع، وإنما مهتم بتنظيم وإدارة شؤون الناس في "أراضي دولة الخلافة". وهو يمارس العنف من أجل إرهاب الناس، وإحكام قبضته في مناطق نفوذه، أي يستعمل الإرهاب وسيلة للسلطة، ويستعمله بشكل استعراضي، ويسّوقه إعلامياً، بكثير من الاثارة والضوضاء. ولشدة اهتمامه بالسلطة، لا يوجد، على سبيل المثال، أي أثر لفلسطين وإسرائيل في خطابه السياسي.

بهذا المعنى، ليس "داعش" تنظيماً إرهابياً بالمعنى التقليدي، أو الحرفي، للكلمة، ولا يمارس إرهابا على طريقة "القاعدة"، وإرهابه ليس "مجانياً". هو بات يملك جيشاً فعلياً، تقدره دوائر غربية بعشرات الألوف، ويملك أسلحة وآليات ومعدات ثقيلة، وتمتد سلطته على رقعة جغرافية موزعة بين أراضي دولتين. ويؤكد باراك أوباما، معززاً برأي قائد الجيوش الأميركية، مارتن ديمبسي، أن هزيمة "داعش" تتطلب ثلاث سنوات على الأقل. هذا إذا سلمنا جدلاً أن الغارات الجوية بمفردها كفيلة بالقضاء على هذا التنظيم.

  • اسم الكاتب: سعد كيوان
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة