سوريا: حل سياسي أم حل "الأمر الواقع"

26.أيار.2018

لم يسبق أن اتحد الغرب مع روسيا والصين وإيران ودول أخرى في قضية مثيرة للجدل كما يحدث اليوم في سعيهم الجماعي للحفاظ على بشار الأسد وحكم العائلة العلوية في سوريا. وقد سمح الغرب للسنة السابعة على التوالي، أو تغاضى بطريقة أو بأخرى، عن سياسات القتل الجماعي، والتعذيب حتى الموت، والقصف العشوائي بالبراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية، وسياسة الحصار والتجويع والتهجير الجماعي، المصنفة تحت بند الإبادة الجماعية، ولم يتخذ أية أجراءات جادة لوقف هذا الجنون الدموي، على الرغم من مواقف الشجب والإدانة المتكررة، والتي تصل أحيانا إلى التهديد والوعيد، لكنها من الناحية العملية فشلت في منع أي من ممارسات النظام ووضع حد لها.

‏بالمقابل فإن كواليس الدبلوماسية الغربية لم تخف رفضها لفكرة تغيير النظام، بخلاف الكثير من الصريحات والمواقف المعلنة، وأيدت فكرة إدخال تعديلات (ما) على بنيته المؤسسية، وعقدت لأجل ذلك العديد من المؤتمرات، لكنها في كل ذلك لم تمارس أي ضغط حقيقي للوصول إلى نتائج ملموسة. ويحاول الغرب تبرير تمسكه الشديد بنظام بشار الأسد والمحافظة على استمراره، بذريعة مكافحة الإرهاب، وغياب البديل المناسب للنظام، ولا تبدو هذه الذرائع مقنعة وصادقة، في ظل الكلفة الباهظة الناجمة عن استمرار الصراع تبدو هذه المواقف الغربية مثيرة للاستغراب.

وفي ظل هذه المواقف والسياسات غير الحاسمة، يرى عدد من المحللين أن استمرار الصراع لهذه المدة الطويلة، يبدو وكأنه يلبي رغبة ضمنية لدى القوى الدولية، بل إن بعض هذه القوى يقدم الدعم الفعلي الذي يضمن استمرار النظام، كما هو الحال بالنسبة لروسيا وإيران، ودول أخرى تقدم دعما غير معلن، دون اعتبار يذكر لحجم الخسائر والضحايا الذين لا زالوا يتساقطون يوميا.

وبالنسبة للسوررين وأمام عجزهم عن تغيير النظام كخطوة مهمة على طريق تحقيق أهدافهم، وفشلهم في إقناع الغرب برفع الغطاء الدولي عنه، وإتاحة الفرصة أمامهم لتقرير مصيرهم، فهم يجدون أنفسهم أمام طريق مسدود، وحالة مستعصية، لا خيار فيها سوى القبول والتسليم بـ"الأمر الواقع"، أو ما يُطلق عليه تلطيفا ودبلوماسية "الحل السياسي"، وإذ لم تتبلور بعد أية ملامح واضحة لمثل هذا الحل، فإن الحقيقة الوحيدة الملموسة بالنسبة لملايين السوريين، هي استمرار المأساة حتى إشعار آخر.

يذكر أنه في سياق البحث عن "الحل السياسي"، بناء على فكرة "الأمر الواقع"، اقترحت مؤسسة "راند" منذ عام 2015 خطة قدمتها في ثلاثة أجزاء، تقوم على "إنهاء الجدل حول مسألة بقاء الأسد أو ذهابه في المدى القريب"، وأن البحث في "الفوائد المترتبة على إسقاط الأسد تستحق هذه التضحيات البشرية والتكاليف الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية لتحقيق هذا الهدف، قد انتهى وقته منذ أمد بعيد"، وأنه "ينبغي أن ينظر إلى هذه المسألة من "منطلق النفعية البحتة"، والتي تعني هنا "الوقف السريع للقتال"، ثم البحث بعد ذلك فيما يمكن فعله. و تأسيسا على هذه الفكرة قدم الباحثون في مؤسسة "راند" (جيمس دوبينز، وفيليب غوردن، وجيفري مارتيني) خطتهم التي تتضمن ترتيبات وأفكارأ يمكن أن تقود إلى مسارات السلام الممكنة. وإذ يدرك الباحثون صعوبة الموافقة على هذا الأسلوب في الحل، فإنهم يصرون على كونه "الأكثر واقعية"، وأن تحقيقه أفضل بكثير من "البديل الرئيسي" المتاح، وهو الاستمرار في الصراع إلى أجل غير مسمى، أو التصعيد لحرب مدمرة.

وبعد مرور ثلاث سنوات على عرض فكرة "راند" لأول مرة، وعلى الرغم من التحولات الكبيرة التي طرأت على مسارات الصراع، فلا زال من غير الواضح ما إذا أصبحنا اليوم على عتبة الحل المنشود أم أن الوقت لا زال مبكرا على ذلك. والحقيقة الوحيدة التي يمكن التأكد منها، هي أن مستقبل السوريين لا زال مفتوحا على المزيد من القتل والدمار ومضاعفة أعداد الضحايا، قبل الوصول إلى الحل المنشود، وفي ظل التراجع الكبير للمعارضة، وقد أصبحت عمليا خارج دائرة الفعل، وتحت سيطرة وتحكم القوى الكبرى، من الناحية المادية على الأقل، لا يبقى من سبب ظاهر لاستمرار المأساة السورية سوى تقاعس المجتمع الدولي وعدم رغبته ببذل جهود حقيقية للوصول إلى حل "الأمر الواقع" الذي بات مفروضا على الجميع.

  • اسم الكاتب: معاذ السراج
  • المصدر: ترك برس
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة