سورية.. الحوار "الوطني" أم الفصل السادس؟

31.كانون1.2017

مشكلة الشعب السوري، أو حتى "الشعوب السورية" على الطريقة البوتينية، ليست مع بعضه بعضا. تعايش عقودا وقرونا، وما شكا يوماً من كل تلك الأمراض التي ألبسه إياها أو أسقطها عليه نظام الأسد. مشكلته ومصيبته الأساسية بنظامٍ بنى حياته على استراتيجية العداء والمواجهة والكره والاحتقار لهذا الشعب.

ومن الطبيعي، والحال هكذا، أن يبقى هذا النظام ناكرا متنكراً، ورافضاً أن يكون هناك صراع بينه وبين هذا الشعب، فالشعب بنظره لا يمكن أن يكون الند، ليكون هناك أي نزال أو مواجهة؛ فما بالك مفاوضات أو حوار! الشعب بنظره ليس إلا رعايا تسبح بحمد قائدها الرمز، الإله الذي لا يمكن لمخلوق سوري أن يرتقي لأي حالةٍ من التنافس معه، أو حتى الاعتبار من قبله. أبناء هذا الشعب لحم أكتافهم من خيره؛ تعلموا في مدارسه؛ هو من منحهم شهاداتهم، وهو من صرف على علمهم وطبابتهم وأكلهم وكسائهم. ولولاه لما توالدوا وزاد عددهم. من هنا، قال ماهر الأسد، في الشهور الأولى للانتفاضة السورية: "استلمناها ثمانية ملايين نعيدها كما استلمناها". ومن هنا كان تصريح أخي ماهر لصحيفة وول ستريت جيرنال: "في سورية لا يمكن أن يحصل كما يحصل في بلدان عربية أخرى". ما يعكس كيف ينظر النظام إلى هذا الشعب السوري. استخدم هذا النظام الكيماوي ضد الشعب، ولَم يرف له جفن؛ شرّد نصفه، ولَم يعبأ؛ قتل منه تحت التعذيب في معتقلاته الآلاف، وما خشي عقابا؛ اغتصب إناثه وحتى ذكوره، من دون التفاتةٍ أو وجل.

حتى اللحظة لم يَرَ النظام في أي شخص هتف للحرية، أو قال إن ما يرتكبه النظام بحق سورية وأهلها جريمة، إلا خائنا مرتزقا تشغّله إحدى الدول. يطالب ممثله، بشار الجعفري، "مشغلي" المعارضة أن يسحبوا له بيان مؤتمر الرياض. المعارضة ذاتها التي وضعت البيان؛ بالنسبة له غير موجودة إلا كخونة وعملاء يحرّكهم أصحاب المؤامرة على دولة الصمود والتصدّي التي تقف في وجه إسرائيل. ومعروف مدى حرص إسرائيل على بقاء منظومة الأسد، لتكون الذريعة المناسبة لاستمرار دمار سورية وآلام شعبها.

يعتقد النظام أن من غير الممكن أن يقبل الجلوس مع المعارضة، فهي من الشعب الذي اعتاد التسبيح بنعمته؛ فكيف يمكن أن تكون ندّا له، أو يسمح لها أن تكون في حضرة مقامه السامي؛ فهذا اعتداءٌ على ذاتٍ لها قداسة. وأهم ما لديها هو السيادة التي لا يمكن لأحد أن يستبيحها. ومن هنا الوجود الأميركي في الشمال الشرقي السوري غير شرعي، لأنه لم يأخذ إذن الحكومة "الشرعية". أما الوجود الروسي والإيراني فيبدو أنهما أخذا إذنا من الحكومة "الشرعية ذات السيادة"، ولهذا فهو شرعي.

الحوار الوحيد الذي يعترف به النظام، ويمكن أن يجريه، هو "المصالحات". وتتم هذه بعد أشهر على حصار منطقةٍ وقصفها على مدار الساعة، وجعل أطفالها وشيوخها يموتون جوعاً أو مرضاً، ثم تتم المصالحة مع من تبقى من أهل ذلك المكان.

النظام لا يحاور، ولا يفاوض شعبه أو من يعارضه. يرى أن هناك إشكالات بين مختلف المكونات والطوائف، وها هي روسيا تدعوها له إلى سوتشي، كي تتحاور مع بعضها بعضا. وتعود وترجوه كي يغفر لها، ويقبل الاستمرار برعايتها كقطعان. تحتاج تلك النعمة التي أسبغها الله عليها بأن خصّها بتلك القيادة الحكيمة الملهمة. ولولا التدخل الروسي والتعب الروسي من أجل هذا الحوار بين السوريين، لما قبل أو غفر النظام لتلك الرعية أن تتحاور.

الأكثر من ذلك أن النظام قبل من الروس حتى السماح لأعضاء المؤتمر أن ينظروا في الدستور، وربما يحدّدوا عهد الرئيس بولايتين جديدتين حتى العام 2035؛ إلا إذا أصر الشعب أن يمدّد له ولايتين جديدتين حتى العام 2049.

وبالعودة إلى التجرؤ على مفاوضات النظام أو الحوار معه؛ لا بد أن النظام يستغرب أن يُدعى أساساً إلى مفاوضاتٍ مع ثلة من العملاء، وهو الذي لا ند له إلا الدول الكبيرة. ألم يقل وزير خارجيته مثلا إن قارة كاملة يعتبرها ممسوحةً عن الخريطة العالمية! فكيف يفاوض أو يحاور، وهو قد طرد الإرهابيين؟ وهو قد صمد في وجه الاٍرهاب كل هذه السنوات؟ وهو الذي يوقع معاهدات مع دولة عظمى؟ وهو الذي يمتلك ترساناتٍ من مختلف صنوف الأسلحة؟

لماذا يفاوض النظام، وهو يعتبر نفسه انتصر، بغض النظر عما هي حقيقة هذا الانتصار؛ فكيف يكون انتصارا على إرهابٍ هو ساهم بوجوده؛ وتحديدا "داعش"؟ كيف يفاوض وبظهره قوتا إيران وروسيا؛ ومن يدّعون أنهم معارضة أو ثورة ليسوا إلا مرتزقة؟ يكفيه أنه يسمح لألف وخمسمئة شخص ليباركوا له انتصاراته، ويباركوا هذه العودة الحميدة، بعد كل تلك الإنجازات في وجه المؤامرة... لماذا يفاوض، وداعموه سيف بظهره، وداعمو المعارضة سكين بظهره.

من هنا لا بد من التمسك بالقرارات الدولية، ولا بد أن توضع موضع التنفيذ في انتقال سياسي، يعيد السوريين إلى بيوتهم متطهرين من سموم منظومة الاستبداد. بإرادة هذا النظام، وبإرادة داعميه، لن تكون هناك فرصة لسلام حقيقي، عبر انتقال سياسي يخلّص سورية من التوتر والاستبداد والجريمة. وإن لم يحدث ذلك، لا بد من استصدار قرار دولي تحت الفصل السابع، يريح سورية والمنطقة والعالم من وباءٍ قل نظيره. وهذا ممكن، وروسيا لن تتمكّن من عرقلة ذلك، والاستمرار بحماية الجريمة باستخدام حق النقض (الفيتو).. السؤال؛ كيف يمكن أن يحدث ذلك؟

تقول المادة 27 مِن ميثاق الأمم المتحدة، والتي تنظم عملية التصويت في مجلس الأمن: لكل عضو من أعضاء مجلس الأمن صوت واحد. تصدر قرارات مجلس الأمن في المسائل الإجرائية بموافقة تسعة من أعضائه. تصدر قرارات مجلس الأمن في المسائل الأخرى كافة، بموافقة أصوات تسعة من أعضائه يكون منها أصوات الأعضاء الدائمين متفقة، بشرط أنه في القرارات المتخذة تطبيقا لأحكام الفصل السادس.

وتقول المادة الثالثة من المادة 52: "يمنع من كان طرفا في النزاع عن التصويت". وهنا لا بد من وضع اسم روسيا في الشكاوى المقدمة على النظام في مجلس الأمن شريكا مع النظام؛ حيث لا يحق لها التصويت باعتبارها شريكة؛ وبذا يتم توقّي استخدامها "الفيتو". ولسنا الوحيدين في القول إنها شريك؛ بل لا ينفك النظام ذاته وممثلوه عن قول ذلك تكراراً، وحتى التباهي به؛ وروسيا ذاتها ما اعترضت يوماً؛ هذا إضافة إلى اتفاقيات الشراكة بين روسيا الاتحادية وحكومة الأسد. وتجلت تلك الشراكة، طبعا بعد كل ما فعلت روسيا من أجل سلطة الأسد، في تصريح مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى سورية، ألكسندر لافرنتيف، بشأن مؤتمر بلاده في سوتشي، أن من يريد مناقشة رئيس سورية لا مكان له في هذا المؤتمر.

روسيا شريك لنظام الأسد في كل شيء. لا بد للأمم المتحدة أن تطبق قراراتها؛ وخصوصا المواد التي يتم التغافل عنها حتى الآن، بحسن نية أم بسوء نية. لا بد لسورية أن تعود آمنة، لكي يعود أهلها إليها آمنين.

  • اسم الكاتب: يحيى العريضي
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة