سورية من الديمقراطية إلى الاستبداد إلى عودة الاستعمار القديم

03.تشرين2.2016

لو أردنا تحديد تطور الاستبداد وتغوّله، وعدنا إلى مرحلة نهوض الشعب العربي بعد الاستقلال في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وأخذنا سورية نموذجاً، لقلنا إن فترة الخمسينات كانت هي الفترة الذهبية، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وعلى الرغم من أن ثلاثة انقلابات عسكرية جرت في تلك الفترة، إلا أن العودة إلى الديمقراطية كانت تتم سريعاً بعد كل انقلاب.

الحياة السياسية كانت تتم على أساس مبدأ التنافس الشريف لمصلحة الوطن، والحياة الاجتماعية كانت متماسكة وتطبق قول المثل الشعبي: كل من على دينه الله يعينه " بمعناه الاجتماعي والديني معاً.. كما سادت الحرية والديمقراطية بالمعنى الحقيقي، وليس الدعائي، ومن الطبيعي أن نقول إن نسبة الاستبداد كانت قريبة من الصفر أو 1% على أبعد تقدير.

أما الاقتصاد السوري في تلك المرحلة، فكان يعد من أوائل اقتصادات العالم، بدون مبالغة، وكان خالد العظم الذي استلم رئاسة الوزارة في سورية لأكثر من مرة، يُعدّ ربان السفينة الاقتصادية، فالشركات السورية الإنتاجية، ولا سيما النسيجية، كانت من أرقى الشركات وأكثرها إنتاجاً في العالم، وكان الجوخ السوري يضاهي وينافس الجوخ الإنكليزي المشهور على مستوى العالم، كما أن الليرة السورية كانت تعادل الدولار الأميركي تقريباً وتنافسه، بينما الدولار الآن يتأرجح بين 550 و600 ل.س، وفي غد لا ندري ماذا سيكون سعر الصرف.. ويكفي أن أذكر أن غرام الدهب كان يساوي نحو ليرتين سوريتين فقط في تلك الأيام.

هكذا كانت سورية زمن ما يطلق عليه " الرفاق التقدميون " زمنَ الرجعية والرأسمالية والانتهازية.

ويكفي أن نذكر هنا أن مهاتير محمد زار سورية في الخمسينات من القرن العشرين، وكان يحلم أن تصبح بلده ماليزيا كسورية من حيث النهوض الاجتماعي والاقتصادي، وحين أصبح رئيساً للوزراء استطاع أن يقود بلده نحو نهضة اقتصادية مذهلة في التسعينات من القرن الماضي.

في تلك المرحلة كان المد القومي يجتاح العديد من بقاع الأرض، وكان من الطبيعي أن يتأثر الشعب العربي بهذا المد، لاسيما وأنه كان خارجاً من عهد استعماري بغيض إلى عهد تحرري يطمح إلى استعادة المجد التاريخي وبناء دولة عربية حديثة.

من أجل ذلك قامت في عام 1958 دولة الوحدة بين مصر وسورية، باسم الجمهورية العربية المتحدة، وهي وحدة لا غبار عليها من حيث المبدأ، في زمن المد القومي، كما أسلفنا، والذي أرسى أركانه جمال عبد الناصر في مصر والحكومة السورية برئاسة شكري القوتلي، وبإلحاح من حزب البعث العربي الاشتراكي، بأركانه الثلاثة ميشيل عفلق وأكرم الحوراني وصلاح البيطار.. وهكذا تنازل شكري القوتلي لعبد الناصر إكراماً للوحدة الوليدة.

ولكن الذي حدث أن الديمقراطية انهارت سريعاً، وحل مكانها حكم الفرد الواحد، وبدأت سورية تعاني من حكم المخابرات التي تمدد وتوسع في سورية على زمن عبد الحميد السراج رئيس المكتب الثاني في زمن الوحدة، وعلى زمن صلاح نصر رجل المخابرات الأول في مصر.. وهكذا بدأ الخط البياني لنسبة الاستبداد وتضييق الحريات بالتصاعد والنمو.

في عام 1961 جرى الانفصال كرد فعل طبيعي على التسلط الأمني وما استجره من ظلم واستبداد، وعاد الحكم في سورية إلى النمط الديمقراطي الذي كان سائداً في الخمسينات، وخلال أقل من عامين، أي في عهد الانفصال، هبطت كثيراً نسبةُ الاستبداد التي كانت سائدة في عهد الوحدة إلى أقل من واحد في المئة، ولكن انقلاب البعث عام 1963 قضى على الروح الديمقراطية التي كانت في طورها الأول، بحجة إعادة الوحدة بين مصر وسورية.

حين استلم حزب البعث الحكم بعد انقلاب 1963 دخلت سورية مرحلة جديدة، لم تعرفها من قبل، فالعسكر كانوا هم الحاكمين المتصرفين، ومع أنهم وأمثالهم في مصر كانوا يَعِدون " الأمة " بانتصارات كاسحة على مستوى الصراع العربي الصهيوني، وكذلك على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، إلا أن زمنهم شهد أكبر هزيمة عسكرية في العصر الحديث، ففي الخامس من حزيران عام 1967 احتلت الدولة الصهيونية سيناء في مصر والجولان في سورية والضفة الغربية الفلسطينية التي كانت من ضمن الأراضي الأردنية.

وكان من الطبيعي بعد تلك الهزيمة المدوية أن يبدأ التخبط العسكري والسياسي والاجتماعي والفكري في عموم الوطن العربي، إلى أن بدأت مرحلة انهزامية جديدة في المشروع القومي، وحلت مكانه النزعة القطرية المنغلقة على ذاتها، مع ما رافقها من حكم شمولي وظهور الحاكم الفرد الواحد المطلق.

كانت الطائفية في السورية تتنامى وتستشري في أوصال المجتمع السوري، وتسلمت الطائفة العلوية الحكم من تحت الطاولة ومن فوقها، وكان من الطبيعي أن يتضخم الاستبداد وأن يرتفع خطه البياني بوتيرة متصاعدة، ولا سيما بعد حركة حافظ الأسد " التصحيحية " عام 1970، ثم وصل هذا الخط إلى نسبة عالية جداً في الثمانينات أيام الصراع مع حركة الإخوان المسلمين، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت سورية تعيش حالة سياسية واجتماعية واقتصادية لا تطاق.

وحين جاء الابن بشار عام 2000 وريثاً لأبيه أضاف إلى الحالة التي تركها أبوه حالة إضافية من الفوضى العارمة حتى كاد الفساد والاستبداد يصل إلى نسبة 100%.

وكان من الطبيعي أن ينفجر الشعب السوري عام 2011 ويطالب بحريته وكرامته، كما كان من الطبيعي أن يحاول المستبدون الفاسدون الإبقاء على مكاسبهم بشتى السبل حتى تم تدمير الوطن أو كاد، وأصبحت سورية رهينة بيد روسيا وإيران.. كل ذلك في سبيل أن يبقى الأسد متربعاً على عرش هزيل صنعه له الأب القائد.!!.

وأخيراً نقول: إن مراحل الاستبداد التي مرت بها باقي الدول العربية شبيهة بما مرت بها سورية مع تفاوت في النسب بين دولة وأخرى.

.. وهــذا حـالُـنـا، والـلـيـــلُ يبقـى        

يُـطـيـلُ مَقامَـه الشّـجَـنُ الـرَّتـيـبُ

وفي عُمــقِ الظــلامِ أَنيــنُ قـلــبٍ

يَـدور بأُفــقِــه الـوطـــنُ الكئيــبُ

  • اسم الكاتب: عبد الرحمن عمار
  • المصدر: شبكة شام الاخبارية

الأكثر قراءة