طباعة

سياسات بدل الإدانات

07.حزيران.2017

في أعوام الثورة السورية، تحولت المسألة الكردية السورية إلى قضية دولية بامتياز، لكن ائتلاف قوى الثورة والمعارضة، ومعظم المعنيين بالشؤون السورية، لم يغيروا رؤيتهم للعلاقة بين عرب وكرد سورية التي قامت خلال حكم "البعث" على علاقة مركزٍ بطرف، وتعينت بتبعية الطرف الكردي للمركز العربي، والحجة أن العرب يمثلون أغلبية سورية ساحقة، بينما الكرد إثنية قليلة العدد محدودة الوزن، لا يجوز أن يختلف وضعها عمّا تقرّره الأغلبية لها، حتى في حال قامت دولة ديمقراطية، لن يعبر قيامها، في هذه الرؤية، إلا عن حكم أغلبي هو الجهة الوحيدة التي يجب أن تخوّل ديمقراطيا بتحديد هوية وآليات اشتغال وسياسات الدولة وعلاقاتها بمكوناتها، وعلاقات هذه مع بعضها. لذلك، على الأقلية قبول ما تقرّره الأغلبية، وإلا غدت مواقفها ضربا من تهديد داخلي، يضمر مخاطر تمزّق المجتمع وتقوّض الدولة، الأمر الذي يلزم الأغلبية بالامتناع عن الاستجابة لمطالبها، مهما غلفتها بمفاهيم تخفي ما تضمره من تحدٍّ للجماعة الوطنية، يطاول وحدة مكوناتها وعيشها المشترك. في هذا الفهم، يصير من الطبيعي والمقبول إنكار حق الأقلية في الاختلاف مع الأغلبية، بحجة أنها حامل الخيار الديمقراطي والمجتمعي الشرعي، الجامع والمقبول وطنيا. وهناك ملاحظتان تطرحهما هذه الرؤية:

أولا: للديمقراطية نمط واحد لا يجوز أن تحيد عنه في ما يتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية، وعلاقات مكونات المجتمع بعضها ببعض، هو النمط الأغلبي/ المركزي، بسلطته التي لا بد أن تتمتع بصلاحياتٍ مفتوحة تغطي كل مجالات الحياة العامة ومؤسسات الدولة ومفاصلهما، بما في ذلك اللامركزية منها. ومع أن الخروج على هذا التصور قد يكون صعبا في بلادٍ تعرّضت لتدميرٍ واسع، يتطلب إخراجُها منه سلطةً قويةً تمسك قضاياه بيد قويةٍ واسعة الصلاحيات والقدرات، فإن من الضروري طرحه لحوار وطني، يتوافق على حقوق مكونات الجماعة الوطنية السورية وعلاقاتها في ظل الدولة الديمقراطية، يمنع تمترس أي منها وراء مطالب قومية أو إثنية ضيقة، يمليها نزوع غير ديمقراطي نحو خصوصيةٍ ذات ميولٍ انقسامية مجتمعيا تفكيكية دولويا، تواجهها "الأغلبية" بممارساتٍ تستبعد أكثر فأكثر فرص الحوار والتفاهم، وآليات توازن المصالح والتوافق العامة.

ثانيا: ليست الديمقراطية نظام أغلبية تحدّد حقوق بقية مكونات مجتمعها، وتوزع نعمتها أو نقمتها عليها من دون أن يكون لها حق الاعتراض، أو إبداء الرأي بما يقرّر لها. الديمقراطية نظام تشاركي، يشتغل بآليات حوارية مغطاة قانونيا تحمي حقوقا عامة، بغض النظر عن أصحابها، وتنجح بقدر ما يكون بلوغها متاحا لجميع أطراف العقد الوطني بالطرق السلمية/ الحوارية، وبالحسابات التوازنية/ التوافقية.. إلخ.

لا تؤيد أغلبية كرد سورية مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي (البايادا) الإقليمي، القائم على وجود أرض وطنية كردية، يقطنها شعب خاص، استعمره عرب سورية، فمن حقه تحريرها وإقامة دولته القومية عليها. يؤمن أغلبية الكرد بمشروعٍ مقابل، يعبّرون من خلاله عن انتمائهم إلى سورية دولةً ومجتمعا، في إطار إعادة تنظيم علاقاتهم معهما على أسس ديمقراطيةٍ، تقر بما لهم من حقوق. ويعلن معظم كرد سورية خوفهم من مشروع "البايادا"، بحمولته الانفصالية التي تخيف غيرهم من السوريين أيضا، لاعتقادهم أنها تهدّد بإطلاق صراع جديد، يتخطى عرب سورية وكردها، يرجّح أن يدمر ما أبقته حرب الأسد من حياةٍ وعمرانٍ لديهما، وأن يحول دون تسوية مشكلاتهم، بما بينهم من أخوة تاريخية، وانتماء مشترك.

هناك مشروع كردي سوري لا بد من حوار مع حملته يحدّد نمط الدولة الذي يلبي حاجة العرب والكرد إلى علاقاتٍ تنهض على حقوق ثابتة، ومعرّفة بدقة لجميع مكونات الجماعة الوطنية السورية من جهة، وقبول نهائي بوحدة دولة ومجتمع سورية من جهة أخرى. وهناك مشروع إقليمي الطابع، يتبناه حزب إقليمي الطابع بدوره، ليس معظم من ينتمون إليه كردا سوريين، يجب إفشاله استباقيا بالتفاهم مع كرد سورية الذين تحظى مطالبهم اليوم بتفهم معظم أطراف العمل الوطني، في ظل تخليها المتزايد عن نموذج مركز/ طرف ومسبقاته، والمغالطات التي تساوي الديمقراطية بحكم أغلبية تقرّر حقوق غيرها، من دون مشاركته أو موافقته.

تتحوّل المسألة الكردية إلى عقدة تشابكاتٍ داخليةٍ وإقليميةٍ ودولية، لا بد أن نبادر إلى تسويتها سوريّاً، وإلا حملت إلينا مخاطر إقليمية ودولية، لن تبقى بلادنا معها ما نريد لها أن تكون عليه حرّة وموحّدة. السؤال: هل نبادر أم ننتظر كالعادة وصول الفأس إلى الرأس؟

  • اسم الكاتب: ميشيل كيلو
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا