طيران الأسد والروس يستهدفان الغوطة الشرقية.. انتهى الخبر!

26.شباط.2018

تعيش الغوطة الشرقية اليوم أسوأ أيامها، وحين نقول “أسوأ”، فلمتتبع أخبارها أن يخمن معنى ما تواجهه من إبادة، فالتوصيف الدقيق، لما يجري في الغوطة الشرقية اليوم، لا يمكن لمفردة غير “إبادة” أن تصفه، ولندع جانبًا كل ما كُتب سابقًا عن إمكانية الوصول إلى هذا الواقع، نتيجة حالة التشرذم والاقتتال الداخليين، ولنكتفِ بالحالة الإنسانية هناك، حيث فصول إجرام الأسد والروس تزداد قبحًا وهمجية، وليس من اللائق أمام الكوارث الإنسانية أن تتم مراجعة سلوكيات، ساهمت في إيصال حال المدنيين في الغوطة إلى ما هم عليه اليوم.

نقرأ إحصاءات الشهداء يوميًا، كما نقرأ إحصاءات وأخبارًا أخرى: القتلى، الجرحى، أطفالًا ونساءً، عدد النقاط الطبية التي أصبحت خارج الخدمة، استهداف ممنهج للأفران ومقار الدفاع المدني وغيرها. نتأثر، نُصاب بالحنق، نلعن ونشتم، ثم تتحرر ذاكرتنا هروبًا من عجزنا المطبق، الغوطة الشرقية محاصرة أيضًا! نعم، وهناك أسلحة جديدة أشد فتكًا بدأ الأسد باستخدامها، العملية التعليمية متوقفة بسبب القصف والحصار. فنتوقف دقيقة لنجمع كل هذه الذاكرة؛ فبهذا يمسي المشهد أكثر وضوحًا وأكثر ألمًا.

“الطيران الروسي وطيران الأسد يستهدفان الغوطة الشرقية بعدة صواريخ موجهة، وارتقاء عشرة شهداء وجرح ثلاثين، بينهم عشرة أطفال وثمانية نساء”. انتهى الخبر، ولكن هناك أشياء لم تُذكر، وأشياء لمّا تنتهِ بعد؛ ففي مكان الاستهداف هناك عوائل عانت -وما تزال- الجوع، منذ أشهر عديدة، وهناك أطفال يخجلون من التذمر أو الشكوى لجوع أصابهم، فآبائهم وأمهاتهم -إن وجدوا- عاجزون عن تأمين بضع لقيمات لهم. أليس لهذا السبب خرج رجل من دوما إلى الشارع، بعد أن اكتظت سماؤها بالطائرات الحربية والمروحيات المحملة بالبراميل المتفجرة؟ بلى، لقد خرج إلى الشارع وصاح وبكى مخاطبًا الطيارين: “اقصفوني! لن أتحرك، سأبقى في مكاني كي تكون إصابتكم محققة”. هل قرأتم هذا في الخبر!

عشرات العوائل انحشرت في قبوٍ لا يتسع إلا لرُبعهم، هم يسمعون هدير الصاروخ وانفجاره، وهذا ما لا يُذكر في الخبر. يسمعونه رغم أصوات القصف الأخرى وضجيج مئات الأصوات داخل “القبو”، صادرة عن ملايين الأسباب! فبينهم طفل مصاب وجائع، يُجرون له في “القبو” بعض الإسعافات، فلا يمكن الخروج به تحت أمطار القذائف، وإلى أين سيأخذونه؟ إلى نقطة طبية لم تعد تمتلك حتى “الشاش”! والطبيب الوحيد هناك استشهد في مكان إصابة الطفل ذاته، وليعلن بعد ساعات قليلة: “خروج النقطة الطبية عن الخدمة”، فالطيار الروسي ماهرٌ باستهدافها، نعم، ربط تسلسل الأخبار يغيب عنا، حين نقرأ أخبارًا متفرقة!

يتخلل هذا المشهد أخبار استشهاد فلان وعائلته، والحي الفلاني تجاوزت فيه الإصابات ثلاثمئة شخص. وعلينا أن نعلم أن مَن في “القبو” هم هناك منذ أيام، ولم يستطع أحد الوصول إليهم نتيجة أمطار القذائف، هذا الحال لا يتوقف بين قراءتنا لخبر وزمن قراءتنا لخبر آخر مشابه!

في المكان ذاته الذي استهدفه طيران الأسد والروس في الغوطة الشرقية، علقت عائلة كاملة تحت الأنقاض، ورغم أمطار القذائف يتوجه رجال الدفاع المدني إلى هناك، فيسعفون من هذه العائلة الأم وطفلين، ويبقى البقية تحت الركام، إما ميتون أو أنهم سيموتون خلال دقائق، هي دقائق لقارئ الخبر، أما بالنسبة إليهم، فتحت الركام الدقيقة بألفٍ مما تعدّون، أحد أطفال الأم المُسعفة إصابته خطرة، بل بالغة الخطورة، فقطعة من رأسه ليست في مكانها، كما أن نصف قدمه اليسرى يتأرجح، رغم عدم وجود مفصلٍ في مكان التأرجح، يبكى وينوح، وينزف، وينظر إلى من هم حوله: ماذا تستطيعون عمله لي؟ هذا السؤال لا يظهر في الخبر! كما لا يظهر فيه طلب الأم المُسعفة من أحد المسعفين أن يقتل طفلها، فآلامه أصعب عليها من موته!

هناك أشياء لم تُذكر، وأشياء لمّا تنتهِ بعد حتى في هذا المقال، ليس ضعفًا في إمكانية التوصيف، بل لأنها خارج إمكانيته، هي أشياء لا توصَّف، هي أشياء لا مفردات لها في اللغة، لأنها لم تحدث من قبل.

  • اسم الكاتب: فادي كحلوس
  • المصدر: شبكة جيرون الإعلامية
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة