طباعة

فنون الغرب في الموت وجنون السوريين به

19.أيلول.2016

أيقظ جروحي إعلان في أحد المواقع الأجنبية يروج لشراء مقابر، وترتيب جنازات الموتى بعقد رسمي، تأملت الإعلان مرة ومرتين وثلاثة، وتساءلت لما لا يشترون قبورهم في سوريا؟ فكل بقعة فيها تصلح للدفن، ولم يعد في معظم أراضيها سوى المقابر والحطام.

حاولت التغاضي و الضغط على الجرح، ليلاحقني حظيّ العاثر بإعلان آخر يقدم عرضاً بديلاً عن الدفن، وهو حرق جثة الميت ونثر رماده في الهواء، بميزات مالية أقل مقارنةً بالإعلان السابق، لأرتعش و تملأ أنفي رائحة جثث السوريين وقد أحرقتهم أسلحة النابالم، و الصواريخ المحملة بالفوسفور، فلا غرابة أن يستثيرني الفرق بين مجتمع يروج لحرق جثة ومراسم دفن باذخة، ومجتمع انحصر تفكيره بسؤالين لا ثالث لهما، كيف سيدفن أمواته بسرعة أكبر إن حظي بجثامين كاملة ؟ أو كيف سيدفن أشلاء إنسان بعد أن فتك به صاروخ متفجر؟

وفي خضم غرز الخنجر في ذاكرتي المدمية من جديد، عدت بذاكرتي ست سنوات، وتساءلت ماذا لو كانت لدينا فكرة حرق الجثة؟ كيف ستكون رائحة حرق تلك التقرحات والجروح التي أصيب بها أولئك المغيبون عن سطح الأرض؟ وهل ستحتمل السماء قروحهم أو سواد دخانهم أو حتى بشاعة ما عايشوه بعيداً عن الشمس؟

حاولت أن أهز رأسي سريعاً، وأشتم عبق الياسمين بدلاً من حرق الجثث ، لكن كلمات الإعلان لم تفارق مخيلتي، لأعود إلى الضياع من جديد و إلى تلك الذكريات التي باتت هي كل حياتنا، فكم من سوري قتل في جبهات القتال أو بالقصف، وكم قلة هم السوريون الذين حظوا بالدفن في مقبرة قريبة من أهلهم، وحظوا بقراءة سورة الفاتحة على أرواحهم كلما مر الأحباب من جانب قبورهم.

بذخ الدفن أو بالأحرى الموت بجثة كاملة أمر بات شبه معدوم لدى السوريين، وها هي ذاكرتنا مملوءة بالجثث المشوهة أو صورة ضبابية لجثة ابتلعها عمق بحر في بطنه، أما موت الأحياء فيبقى حاضراً بيننا، ذلك الموت الذي يشعر به كثير من السوريون، الموت التدريجي الذي يتغلغل في روح المعتقلين الذين تعفنت أطرافهم من الرطوبة والجوع والعيش في أقبية رطبة، يلتحفون الصدأ، أولئك الذين يعيشون كل يوم بين الجثث الملفوفة بالسجاد أو البطانيات الغليظة الشبيهة بغلاظة السجانين في الأفرع الأمنية.

كم هناك مفارقة بين ذاك المجتمع الأوروبي والمجتمع السوري البائس، فهناك في الغرب يفكرون كيف سيدفعون ضرائب نقل التوابيت الى المقبرة، أما في سوريا فلا يوجد في جيب المواطن ثمن مراسم دفنه بعد موته أصلاً، ويبقى أقصى طموح لدى السوري الذي يتعايش مع الموت ويرضع من ثدي القهر كل يوم ألف مرة ألا يموت جوعاً في حصار، إن لم يكن حلمه الأكبر كيف سيسد رمق أطفاله؟ هل سيطعمهم لحم قطة يذبحها أم حساء أوراق التوت؟ أعذروني فليس لدى المواطن السوري وقت ليفكر هل ينثر رماده بين الشجر أو فوق البحر.

ولم يعد الدفن من القصص المهمة بالنسبة للإنسان السوري، فالحياة و الموت سواء ، والاقتلاع من الأرض بفك الموت أمر مهيأ له في أي لحظة، لذا لا وقت لديه للتفكير كيف ستكون مراسم دفنه وكيف سيتم نثر الورد على نعشه.

لم يخطر ببال الشعب الغربي ذات يوم أن يشهدوا الموت الجماعي، الذي يشهده الشعب السوري، ولم يُخيل لهم أن تكون العصافير هي الوحيدة التي تواسي بقايا جثثهم التي دفنت، وتبقى فكرة نبش القبور بزخم من الصواريخ والقذائف لتنتشر روائح تفسخ الجثث مجرد لقطات في أفلام هوليود، وبالمقابل لم يخطر ببال الشعب السوري كيف سيرتمي في أحضان تابوت من خشب، فكل التوابيت في وطنه تحطمت، وتحولت الى قطع خشب بين الركام.

عدت وبحثت في فنون دفن الموتى لدى الغرب، فقرأت في مجلة سويدية أنماط تتحدث عن وضع الجثة في التابوت ومن ثم في دروج داخل المدافن، وتابعت المجلة حديثها عن أنماط أخرى كوضع التابوت في فرن مخصص لحرق الجثث لتصبح رماداً ودفن الرماد في الارض او نثره في مكان المقبرة.

وما يثير الغرابة أنهم يفتعلون أنماطاً تناسب كل الأذواق، كأن يطلب الميت أن ينثر رماده فوق البحر، بينما ليس لدينا في سوريا قوانين لنعوشنا، لأنها استبيحت كما استبيحت بيوتنا وأجسادنا بصواريخهم، وبات الموت ضيفاً دائماً على كل أحياء سوريا.

  • اسم الكاتب: رنا جاموس
  • المصدر: مدونة الجزيرة
  • رابط المصدر: اضغط هنا