قراءة في ملف الطائرة الأردنية وقائدها الأسير

30.كانون1.2014

■ قد يقول البعض بأن اسقاط الطائرة المقاتلة الأردنية وأسر طيارها ليست قضية مفاجئة ومقلقة للتحالف الدولي عموماً وللسلطات الاردنية خصوصاً، على أعتبار أن ذلك متوقع حصوله في الحروب.
وبمقدار ما يعتبر هذا القول سليماً ومعروفاً في نطاق العمليات الحربية، فإنه من جهة أخرى يغفل حقيقة مهمة في ما يسمى الحرب على الإرهاب، الذي تقوده الولايات المتحدة بمشاركة حلفاء آخرين، وهي أن هذه الحرب تجري بين دول من طرف، وبين طرف آخر هو تنظيم خارج إطار الدولة، يحمل عقيدة لا تؤمن بكل النظم والقوانين الدولية، التي تؤطر العلاقات في المجتمع الدولي، كما أننا وجدناه في حِلٍ حتى من بعض الشروط والاحكام الدينية التي أقرتها الشرائع السماوية، على الرغم من أنه يكتسي حلة الدين ويُجاهر بها. بمعنى أن الحروب بين الدول لها قوانينها التي تحكمها ولو بالحد الادنى، على الرغم من أننا لم نر هذه القوانين فاعلة في الحروب التي شُنّت على العراق وفي مناطق أخرى على سبيل المثـــــال، ومع ذلك لاحظنا أنه جرت مراعاة هذه الاحكام تجاه بعض الطيارين الذين أسقطت طائراتهم في الأجواء العراقية، ومن وقعوا في الأسر تم تسليمهم الى دولهم بدون شروط. إذن هل التحالف الدولي في قلق مما جرى وما هي خياراته المتاحة؟ وهل السلطات الاردنية في حيرة أكبر وما هي خياراتها المفتوحة أيضا؟
لم تتأخر حالة القلق في التحالف الدولي في التعبير عن نفسها، وبانت واضحة جــــدا في الإسراع بالاعــــلان عن أن الطائرة لم تسقط بفعل نيران الدولة الإســــلامية، بــــل بعطل فني، وهو تفســــير حاول ســــحب القــلق من بقية الحلفاء على مصير طائراتهم وطياريهم، وكان يصب في إبقاء زخم التحالف مشدودا الى بعضه بعضا منعا للتفتت.
هل ان «تنظيم الدولة» يمتلك فعلا صواريخ حرارية هي التي أسقطت الطائرة؟ المؤشرات التالية تقول نعم. أولا، أن واقعة الخلل الفني لا تشكل نسبة كبيرة من الصحة في هذا الجيل من الطائرات المقاتلة، ذات القابلية العالية على المناورة وتخطي الدفاعات الأرضية والصاروخية. ثانيا، أن بعض الإشارات التي وردت من غرفة الحركات العسكرية للتحالف الدولي، قالت بأن الطائرة هبطت إلى ارتفاع منخفض لقصف أهداف مهمة، وإن صحت هذا المؤشرات فإن ذلك يعني أن هذه المنطقة ذات أهمية استراتيجية لـ«تنظيم الدولة»، وإنه أحاطها بأسلحة غير تقليدية دخلت الطائرة ضمن مدياتها، عندها نكون أمام احتمال كبير بصحة ادعاء التنظيم. ثالثا، لقد سيطر التنظيم على أسلحة تقليدية وغير تقليدية من مخازن الجيشين العراقي والسوري، من ضمنها صواريخ روسية وصينية مضادة للطائرات شبيهة بصواريخ ستنغر المحمولة على الكتف.
رابعا، هذه ليست المرة الاولى التي يسقط التنظيم فيها طائرات عسكرية، بل حصل ذلك بإسقاط طائرات عراقية في المعارك التي دارت في صلاح الدين وكركوك، كما أعلنت السلطات الايرانية عن مقتل طيار إيراني في سامراء، لكن عدم إثارة الضجة سببه تفسير طبيعي، حيث أنها طائرات عراقية سقطت في أراض عراقية.
أما خيارات التحالف الدولي بقيادته الرأسية الولايات المتحدة، فهي تنصب الان على أظهار المقدرة على توفير الحماية لكل من انخرط في هذا الجهد العسكري والسياسي، لذلك لن يكون جهد الـ»سي آي أيه» القائم على فتح قنوات سرية للتفاوض مع «تنظيم الدولة» بعيدا، وقد يكون العمل الجراحي في القوات الخاصة لانقاذ الطيار محتملا أيضا، إن كانت كلفه السياسية أقل من التفاوض، لكن فشل الاثنين يعني أننا أمام حسم للجدل القائم حول عدم فعالية الضربات الجوية، بدون وجود على الارض، ما يعني أن حادث الطائرة الاردنية قد يُعجّل بهذا الخيار في حالة حصول أي مكروه للطيار الاردني، لاظهار التضامن في التحالف.
ماذا عن الخيارات الخاصة بالاردن بمعزل عن إمكانيات التحالف الدولي لتوفير الحماية لمواطنه الطيار؟ يرتبط المجتمع الاردني بعلاقات قبلية راسخة لها امتدادات مع القبائل في العراق وسوريا، وفي ذروة الحرب في العراق وسوريا اندفع الكثير من زعماء القبائل العراقية والسورية الى الحضن الاردني للاقامة، حيث استثمرت السلطات الامنية الاردنية هذا الجانب في دعم القرار السياسي الاردني بخصوص موقفها من الحالتين. كما أن بروز التيار الاسلامي بكل أشكاله في الاردن، وعدم وجود حالة عداء بينه وبين السلطة، أعطى صانع القرار السياسي مجالا واسعا في وضع إمكانيات هذا التيار وعلاقاته في خدمة السياسة أيضا. وإذا ما اخذنا بنظر الاعتبار أن قيادات «تنظيم الدولة الاسلامية» ذات خلفيات عشائرية وإسلامية من العراق وسوريا، مضافا لهم ما يقرب من 2000 عنصر في «تنظيم الدولة» هم مواطنون أردنيون، ووجود بعض المعتقلين في السجون الاردنية من «القاعدة» و»تنظيم الدولة»، خاصة بعض العراقيين الذين يمكن التحرك على زعماء عشائرهم، فإن الخيار الاردني في فتح قناة اتصال مع «تنظيم الدولة» يصبح أفضل الخيارات المتاحة، مما يؤجل الحسم الذي قد تفكر فيه الولايات المتحدة وبعض الاطراف الدولية الاخرى لابراز العضلات، علما بأن السلطات الاردنية نجحت في إطلاق سراح السفير الاردني في ليبيا من خاطفيه من الميليشيات الاسلامية. لكن ما مدى توظيف «تنظيم الدولة» لهذه القضية في صالحه وفرض شروطه فيها؟ لا يمكن التكهن بالمدى الذي سيستثمر فيه هذا التنظيم لورقة الطيار الاردني الاسير لديه، فالكثير من تصرفاته تخالف التوقعات ويتعذر قياس ردود فعله، لكنه قبِلَ في حالات أخرى التفاوض من أجل الفدية، وقد يقبل بإطلاق سراح بعض المحسوبين عليه في السجون الاردنية مقابل إطلاق سراح الطيار، لكنه قد يتطرّف في استخدام هذه الورقة المهمة التي بين يديه، فينظر الى الاردن على أنه جزء من تحالف كبير، مما يوسّع مطالباته لتمس مصالح الولايات المتحدة ودول أخرى، التي يقينا سترفض الاستجابة الى شروطه، وبالتالي ستفشل مفاوضات إطلاق سراح الطيار، وهذه محاولة من التنظيم لوضع السلطات الاردنية في موقف حرج أمام السؤال الذي سيطرحه الرأي العام الداخلي وهو، لقد التحقنا بالتحالف الدولي لكنه اليوم لا ينظر الى مصالحنا الخاصة المتمثلة في عودة الطيار سالما.
سؤال أخير هل أن النظام السوري سيكون بعيدا عن المشهد؟ وهل الكيان الصهيوني سيحجب إمكانياته في المساعدة في حل القضية بدون خسائر؟ لا نعتقد ذلك، فالنظام السوري قد تكون فُتحت معه الان قنوات اتصال سرية، باعتبار أن الحدث في أرضه وقد تكون بعض مجساته مفيدة، وسيجتهد لاثبات أنه يمكن الاستفادة منه، خاصة أن بعض الاطراف الدولية لازالت تراهن عليه. أما إسرائيل فوجودها سيكون حاضراً في أي عمل استخباراتي لإطلاق سراح الطيار.

  • اسم الكاتب: د. مثنى عبدالله
  • المصدر: القدس العربي
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة