كلنا معاذ

30.كانون1.2014

لم يشعر الأردنيون بتبعات دخول بلدهم الحرب التي تقودها أميركا على داعش، إلا حين أفاقوا على صور مواطنهم الطيار معاذ الكساسبة أسيراً بعد إسقاط طائرته، وخصوصاً أن كل التسريبات كانت تؤكد أن الدور الأردني يقتصر على الإمدادات اللوجستية وجمع المعلومات الاستخبارية لصاح قوات التحالف.
غياب الشفافية إلى درجة الخداع ليس جديداً، فالنظام متورط إلى النخاع في عمليات عسكرية واستخباراتية، أميركية التخطيط والأهداف، حتى أصبح الأمر كالقدر المكتوب على الأردنيين، وكأن لا حياة للأردن، وليس للنظام فقط، من دون تبعية كاملة لواشنطن وسياساتها ورغباتها.
انخراط الدولة الأردنية وأجهزتها في الحروب الأميركية، يتم ترويجه، ضمنياً، شرطاً للنمو الاقتصادي وتدفق المساعدات، فيما يغرق الأردن في المديونية، ويدفع ضيق العيش وانسداد أمل التغيير شباباً أردنيين كثيرين إلى الانضمام إلى داعش ومشتقاتها؛ لكن الهدف الحقيقي تجديد الدور الوظيفي للنظام والحفاظ على مصالح نخبة ضيقة من المنتفعين، أرعبتها الانتفاضات العربية ومطالبها.
ليس العامل الاقتصادي وحده السبب في انتشار ظاهرة السلفية الجهادية في الأردن، فهناك حاضنة ثقافية لها، ساهمت الأجهزة الأمنية والحكومات المتعاقبة في تنميتها في مواجهة التيارات القومية واليسارية، لكن الجديد أن إمعان التبعية، بما فيها المشاركة في حرب أميركية، فيما يصاب النظام بشلل أمام الحروب الإسرائيلية، يزيد من نقمة قطاعات واسعة من الشباب، ليس فقط تضامناً مع الفلسطينيين، لكن، لأن هناك شعوراً بالمذلة متجدداً، لا يعيره النظام اهتماماً.
استغلّت السلطة وأجهزتها مخاوف الأردنيين من داعش والتطرف، حتى إن هناك تأييداً للحرب، ومن تيارات سياسية معروفة بمعاداتها للسياسة الأميركية، لتمرير تعديلات لقانون مكافحة الإرهاب، تعزز سطوة الأجهزة الأمنية، وتمرير قرارات اقتصادية، تتعارض مع كل طموحات التغيير التي سادت الشارع الأردني، مع بدء الثورات العربية، واتخذت من شعار "الحرب على الإرهاب" تبريراً للمرفوض والمقبول.
لكن، جاء أسر الطيار معاذ الكساسبة صدمة قوية لمؤيدي الحرب ومعارضيها معاً، فهناك خوف حقيقي على مصير الشاب الذي يظهر في صوره على "فيسبوك" شبيهاً لآلاف من الشباب الأردنيين في رغبته في حياة أفضل، وجدها في الانضمام إلى الجيش، إضافة إلى الاعتزاز، سواء من منطلق وطني، أو ضمانة لمكانة محترمة خاصة لضابط في سلاح الجو الأردني.
معاذ في صورته بين أيدي مقاتلي داعش، بعد تجريده من بزته الرسمية، هزت الأردنيين، فلماذا يدفع هذا الشاب ثمناً لراحة النخب؟ ثار النقاش مجدداً بشأن هذه الحرب، إن كانت أردنية أو أميركية؟ فانتشر هاشتاغ "ليست_حربنا"؛ فهل الحرب على داعش كفكر تختصر في حرب لا تسيطر الأردن على أهدافها السياسية والعسكرية؟ وكيف يمكن هزيمة فكر عسكرياً؟
فضلت نخب أردنية كثيرة، كما النظام، منذ البداية، تجاهل الأسئلة الصعبة، فالإبادة العسكرية هي الحل الأسهل برأيها، حيث الخوف من الخطر الآتي عبر الحدود حقيقي، سواء الخوف من القتل والتنكيل أو من سيطرة التزمت وإقامة قيود خانقة إلى حد الموت، على الحريات الاجتماعية، فأضحت صورة رجم النساء وأسْرهن أو تحريم الاختلاط أو أي مشاركة اجتماعية للمرأة كابوساً قابلاً للحدوث.
لكن ما تجاهلته النخب أن ثقافة داعش ليست آتية عبر الحدود، بل هي في وسطهم، وإن مواجهة التطرف تتطلب بناء عدالة اجتماعية ونشر ثقافة مستنيرة، لأن هذه النخب، كالعادة، تعيش في قوقعتها، لأن من يدفع الثمن شباب مثل معاذ، فاستمرار الظلم يشعل إرهاباً، لا تستطيع الحروب إطفاءه. بالتالي، سنفيق لنجد أننا كلنا معاذ.

  • اسم الكاتب: لميس أندوني
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة