لماذا تدخلت أميركا في سوريا من الأساس؟

12.تشرين1.2017

تحمل مذكرة صاغها وزير الدفاع الأميركي السابق، آشتون كارتر، فرصة نادرة للتعرف بصورة أفضل على استراتيجية الرئيس باراك أوباما تجاه سوريا قبل أن تتحول إلى جزء من ماض بعيد. إلا أن المعلومات القيمة الكثيرة التي طرحها تثير تساؤلاً كبيراً: لماذا تدخلت الولايات المتحدة في سوريا من الأساس؟

الواضح أن الهدف الرئيسي من وراء المذكرة تسليط الضوء على دور كارتر في هزيمة تنظيم داعش، ذلك أن وزير الدفاع السابق أكد أن العمليات الفاعلة ضد التنظيم وخطة القتال التفصيلية، التي يقول كارتر إن الولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها تتبعها حتى اليوم، لم تجرِ صياغتها وإقرارها إلا بعد تعيينه في فبراير (شباط) 2015، وبعيداً عن هذا الهدف المرتبط حصرياً بالمصلحة الذاتية، تصف المذكرة التي تقع في 45 صفحة جهوداً لم تلقَ تأييداً يُذكر داخل المنطقة التي استهدفتها.

من ناحيته، يلقي كارتر باللوم على الانسحاب الأميركي من العراق في ظهور «داعش»، لكن حتى قبل أن تؤسس الميليشيا الإرهابية كيانها المزعوم، «لم يرغب سكان المنطقة في عودة قوات ضخمة بحجم يشبه قوات غزو»، حسبما ذكر الوزير السابق. وأشار كارتر إلى أنه طوال فترته وزيراً للدفاع التي استمرت عامين، اضطر إلى «إقناع رئيس الوزراء (العراقي حيدر) العبادي بقبول دخول مزيد من القوات الأميركية إلى البلاد (الأمر الذي كان مثيراً للجدل بالنسبة له في الداخل)». وأضاف كارتر إلى أن القوات العراقية بدت مترددة، بادئ الأمر، إزاء المشاركة في القتال، الأمر الذي أثار غضب كارتر وجنرالات أميركيين، واضطرهم إلى حث الجانب العراقي باستمرار نحو العمل.

وبطبيعة الحال كان الرئيس السوري بشار الأسد أقل ترحيباً بالتدخل الأميركي، رغم أن واشنطن سعت نحو بناء قوات محلية مناوئة لـ«داعش» من الصفر عبر «تجنيد أفراد مقاتلين، وتنظيمهم في وحدات، وإمدادهم بالتدريب والمعدات اللازمة داخل تركيا والأردن، ثم إعادة الدفع بهم لخوض القتال داخل سوريا». وشرح كارتر أنه رغم أن الفكرة دارت حول عدم تورط هذه القوات في الحرب الأهلية السورية، فإن الأسد كان مدركاً تماماً لتوجه واشنطن إزاءه.

بعد ذلك، تولى كارتر المنصب الوزاري وبدل الخطة من خلال تحويل دفة الدعم الأميركي باتجاه تشكيلات شبه عسكرية قائمة بالفعل. وأضاف: «تقريباً جميع المقاتلين الحقيقيين كانوا بالفعل جزءاً من جماعات قائمة، وكل ما كانوا يرغبونه قتال الأسد و(داعش)».

وبعد موافقة الولايات المتحدة على هذه الفكرة، لجأ الأسد إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي رأى في هذا الأمر تدخلاً أميركياً في الحرب الأهلية المستعرة في سوريا ومحاولة لتغيير النظام بها - الأمر الذي سبق أن عارضه بشدة في ليبيا، بل ووقع شجار بينه وبين الرئيس آنذاك ديمتري ميدفيديف لعدم تصديه للتدخل الغربي هناك. من خلال تسليح وتدريب جماعات معارضة للأسد، اجتذبت إدارة أوباما - بل وكارتر شخصياً إذا كان هو بالفعل من أقر تغيير الاستراتيجية الأميركية تجاه سوريا - روسيا إلى داخل الحرب.

وبعد أن بدأ بوتين العملية العسكرية الروسية في سبتمبر (أيلول) 2015، أشار كارتر إلى بذل الجانب الروسي جهوداً حثيثة لإقامة تعاون مع الولايات المتحدة. وعن ذلك، قال «منذ اللحظة الأولى، سعى الروس لإشراكنا نحن والحملة المناهضة لـ(داعش) فيما يفعلونه داخل سوريا - ودائماً ما أعلنوا أمام العالم رغبتهم في التنسيق والتعاون معنا، وطلبوا التشارك في المعلومات الاستخباراتية والأخرى المرتبطة بالأهداف».

إلا أن كارتر رفض هذه العروض الروسية لثلاثة أسباب رئيسية؛ أولاً: كان من الممكن أن يؤدي التنسيق مع روسيا، الحليف الوثيق لإيران داخل سوريا، إلى تثبيط رئيس الوزراء العراقي العبادي عن التعاون مع الولايات المتحدة. ثانياً: من الممكن أن يؤدي ذلك إلى الربط بين الولايات المتحدة والحملة الروسية «غير الإنسانية». ثالثاً: إن «ذلك من شأنه منح روسيا دوراً قيادياً غير مستحق داخل الشرق الأوسط» - وأعتقد من جانبي أن هذا كان السبب الأهم بالنسبة لإدارة أوباما. وفي فصل حمل عنوان «المخربون والمترددون»، جرى وصف اتصالات غير مرضية مع الجانب الروسي، ونضال كارتر لوقف وزارة الخارجية بقيادة جون كيري عن إبرام اتفاق مع بوتين يتضمن التنسيق العسكري، وليس مجرد تجنب الصدام. وبخلاف روسيا وإيران، يشير العنوان إلى عدد من الدول الأخرى منها تركيا - التي «تسببت في معظم التعقيدات أمام الحملة»، تبعا لما زعمه وزير الدفاع السابق - ودول الجوار العربي ودول خليجية وصفها كارتر بأنها «كانت نشطة على صعيد جهود الضغط والعلاقات العامة، لكن هذا الأمر بصورة ما لم يترجم قط داخل ميدان القتال».

باختصار، تشير المذكرة إلى أن المصالح الأميركية لم تكن متوافقة بوضوح مع مصالح أي من العراق أو إيران أو روسيا أو تركيا أو نظام الأسد في سوريا. وهنا يظهر التساؤل: هل كان ثمة داعمون متحمسون للنهج الأميركي؟

حسناً، كان هناك بعض المسلحين المعادين للأسد (فيما عدا أصحاب التوجهات الإسلامية)، وبالتأكيد الأكراد. في الواقع، يعتبر الدعم الأميركي للأكراد السبب الرئيسي وراء تحول تركيا من حليف إلى عنصر رافض. إلا أن الحقيقة تبقى في أنه كان هناك على الأقل طرف لديه رغبة حقيقية في مشاركة الولايات المتحدة داخل سوريا، وإن كانت هذه الرغبة لا علاقة لها بمحاربة «داعش» بقدر ما ترتبط بالحلم الكردي بإقامة دولة مستقلة ذات سيادة. الآن، صوت أكراد العراق لصالح الاستقلال، ما قدم تبريراً لكل شكوك العبادي إزاء الحملة الأميركية ضد «داعش».

في خضم محاربتها «داعش»، نجحت واشنطن في إثارة غضب الجميع داخل منطقة متوترة ويخالجها ارتياب بالفعل إزاء التدخل الأميركي في أعقاب مغامرتي العراق وليبيا. وتسلط المذكرة التي وضعها كارتر الضوء على كيف حدث ذلك بقدر ما تكشف كيف جرى إلحاق الهزيمة بـ«داعش». وتوضح هذه المذكرة لماذا لن يكون من السهل إحلال السلام بالمنطقة حتى بعد رحيل «داعش». من جانبه، أعرب كارتر ذاته عن قلقه من أن «جهود المجتمع الدولي على صعيدي تحقيق الاستقرار والحكم الرشيد ستكون أبطأ كثيراً عن وتيرة الحملة العسكرية».

أيضاً، تثير هذه المذكرة تساؤل ما إذا كان ثمة حل أكثر استدامة كان يمكن تحقيقه لو كانت واشنطن تركت الأسد وحلفاءه من جهة وتركيا من جهة أخرى يتولون التعامل مع مشكلة «داعش» دونما تدخل منها.

إلا أن هذه الافتراضات لم تعد ذات جدوى الآن. والحقيقة الثابتة اليوم أن التدخل الأميركي تكثف بعد رحيل إدارة أوباما، ويبدو الاستقرار الآن حلماً بعيد المنال بالنسبة لسوريا والعراق أكثر عن أي وقت مضى، في وقت تحاول فيه الدول والجماعات المسلحة في الشرق الأوسط التكيف مع مثلث القوة القائم بين الولايات المتحدة - روسيا - تركيا. في الحقيقة، باستطاعة كارتر التفاخر اليوم بأنه لعب دوراً في خلق هذا الوضع الجديد الذي يبدو عرضة للاشتعال في أي لحظة.

  • اسم الكاتب: ليونيد بيرشيدسكي
  • المصدر: الشرق الأوسط
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة