ماذا تبقى من المخيمات الفلسطينية في سورية؟

25.تشرين2.2014

أكثر من نصف مليون فلسطيني كانوا يعيشون في سورية، موزعين على تسعة مخيمات تعترف بها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" وثلاثة لا تعترف بها الوكالة، بالإضافة إلى مخيمي الحسينية وبرزة، اتسم وضع اللاجئين الفلسطينيين في سورية سابقاً بالنموذجية، خصوصاً إذا ما قورن مع أوضاع أهلهم في دول الجوار، فقد  منحت سورية الفلسطينيين اللاجئين فيها جميع حقوق المواطنة، باستثناء حقي الترشح والانتخاب.
66 عاماً مرّت على بدء وصول اللاجئين الفلسطينيين إلى سورية، اندمجوا فيها بشكل كبير مع المجتمع السوري، حيث لم تكن مخيماتهم معزولة، بل كان معظمها متداخلاً مع المناطق المجاورة، فلا حدود واضحة تعزل مخيماتهم عن محيطها، وكحال الشعب السوري، عانى اللاجئون الفلسطينيون في سورية الكثير في السنوات الأربع الأخيرة، فقد استشهد منهم 2535 لاجئاً، وفقاً لإحصاءات نشرتها مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سورية، مطلع الشهر الجاري.
أربع سنوات من الحرب لم يسلم فيها مخيم من المخيمات من قصف أو انفجار سيارة مفخخة، أو اشتباكات أو حصار، ولعل مخيم اليرموك من أكثر المخيمات الفلسطينية تضرراً في سورية، اليرموك الذي سميّ عاصمة الشتات الفلسطيني، لما يتمتع به من مكانة معنوية عند اللاجئين الفلسطينيين، عاش أهاليه منعطفات كبيرة في السنوات الأخيرة، أبرزها القصف الجوي الذي استهدف مسجد عبد القادر الحسيني في ديسمبر/ كانون أول 2012، وما تلاه من انشقاقات في صفوف الجبهة الشعبية – القيادة العامة، الموالية للنظام، وما رافقها من سيطرة الكتائب المحسوبة على المعارضة السورية المسلحة على المخيم، وما لحقه من حصار مشدد، فرضه الجيش النظامي، مدعوماً من فصائل فلسطينية موالية له، حيث نزح نحو مليون فلسطيني وسوري منه، فيما يعاني حوالى 20 ألفاً من المدنيين المتبقين ويلات الحصار، فقد استشهد "155" منهم بسبب الجوع ونقص الدواء، وحتى هذه اللحظة، يرزح المخيم تحت حصار مشدد، فلا خبز ولا ماء للأصحاء، ولا دواء للمرضى، لم يكن الحصار سبباً في تشتت اللاجئين الفلسطينيين من اليرموك إلى البلدات السورية والبلدان المجاورة فقط، بل كان سبباً في هجرة الآلاف منهم إلى الدول الأوروبية، راكبين ما يعرف بقوارب الموت، غير مبالين بمخاطرها، فلم يبق أمامهم من شيء يراهنون عليه سوى حياتهم.
إن كان وجود مجموعات محسوبة على المعارضة السورية المسلحة حجة النظام السوري بحصار مخيم اليرموك، فما حجته بحصار مخيمي السبينة والحسينية اللذين يُمنع سكانهما من العودة إليهما منذ أكثر من عام؟، فالمخيمان يخضعان لسيطرة النظام بشكل كامل، بعد أن تمكن الجيش السوري النظامي، مدعوماً بفصائل فلسطينية، من فرض سيطرته التامة عليهما، إذاً لماذا الحصار؟ ذلك السؤال الذي لا يزال معلقاً منذ ذلك الوقت.
وفي حلب التي يوجد فيها مخيم حندرات والنيرب، تسيطر مجموعات المعارضة المسلحة على الأول كاملاً، ما دفع جميع أهاليه إلى مغادرته، منذ أكثر من عام ونصف، فكانت الاشتباكات العنيفة والمعاملة السيئة التي تلقاها اللاجئون من مجموعات معارضة، من أبرز الأسباب التي أدت إلى عدم عودتهم إلى المخيم، يضاف إليها استهداف المخيم المستمر بالقذائف والبراميل المتفجرة. أما مخيم النيرب الذي يتمتع بأهمية استراتيجية للطرفين، بسبب مجاورته مطار النيرب العسكري، فيعيش أهاليه تحت سيطرة الجيش النظامي والمجموعات الموالية له، وسط إجراءات أمنية مشددة دفعت شباباً عديدين من المخيم إلى تركه، خشية الاعتقال، أو إجبارهم على الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية.

وبالانتقال إلى جنوب سورية، نرى أن مئات من عوائل مخيم درعا نزحوا عنه، بسبب القصف العنيف والمتكرر بالبراميل المتفجرة والقذائف الثقيلة، والتي أدت إلى دمار ثلثي منازل المخيم، إضافة إلى غياب الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وصحة، ما دفع أهاليه لتركه، بحثاً عن الأمن الذي افتقدوه.
وفي ريف دمشق، يعيش مخيم خان الشيح حالة من الحصار الناعم، بسبب إغلاق جميع الطرق التي تربطه مع مركز العاصمة، ما يدفع اللاجئين فيه إلى سلوك أحد الطرق الفرعية، وهو طريق "زاكية – خان الشيح"، مخاطرين بحياتهم وحياة أبنائهم، في محاولة منهم لتأمين بعض الحاجيات لأبنائهم، حيث تعرض لاجئون عديدون للقصف والقنص، عند مرورهم على ذلك الطريق.
أما مخيمات العائدين في حماة، والعائدين في حمص، والرمل في اللاذقية، وجرمانا وخان دنون، وبرزة، والسيدة زينب في ريف دمشق، فتعيش نوعاً من الاستقرار من الناحية الأمنية، حيث تقع جميعها في مناطق خاضعة لسيطرة النظام، وبعيدة نسبياً عن مناطق الاشتباك، إلا أن معاناة الأهالي، الاقتصادية والمعيشية، حيث تنقطع الكهرباء والمياه ساعات طويلة، إضافة إلى غلاء المعيشة وارتفاع إيجارات المنازل، وانتشار الحواجز الأمنية التي تضيق عليهم حركتهم.
اليرموك، الحسينية، السبينة، حندرات، وخان الشيح ودرعا، مخيمات كانت تستوعب أكثر من ثلثي اللاجئين الفلسطينيين الذين أجبروا على البحث عن مكان آخر داخل سورية أو خارجها، فقد وصل الأمر إلى أن يهرب آلاف منهم إلى البلدان الأوروبية، سالكين أخطر الطرق البحرية والبرية، للوصول إليها.
تعرضت المخيمات الفلسطينية في سورية للاغتيال المادي والمعنوي، ودفع آلاف من اللاجئين الفلسطينيين إلى ترك مخيماتهم يطرح تساؤلات عديدة، أهمها هل يعلم النظام في سورية أنه ينفذ أجندات ضد اللاجئين الفلسطينيين؟ وهل يدرك أن استهداف المخيمات الفلسطينية في سورية خدمة مجانية للصهاينة؟ هل يذكر أن شارون توعد مخيم اليرموك في يوم من الأيام، وقال له "لك يوم يا مخيم اليرموك"؟

  • اسم الكاتب: علاء البرغوثي
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة