محطات أوروبية في المأساة السورية

21.آب.2018

وجوهٌ وأسماء وأرواحٌ وأشلاء تغمرها الوقائع الإخبارية والمقاطع النمطية والإحصاءات العددية، حتى يطغى التناول الوقائعي والكمِّي على مآسي الشعوب، فيطمس الإحساسَ بضحاياها ويواري تفاصيلها المذهلة. ستبقى المحنة السورية، بأبعادها القياسية المتخِّضمة، وبنزيفها الدافق ودمارها الفائق، جرحاً غائراً في وعي يَقِظ، وستحمل الأجيالُ ذاكرةً تتزاحم فيها الوجوه وتتراكم معها التفاصيل، التي تستحقّ كلُّ منها وقفاتٍ ونظرات تنتشلها من فتور الحسّ وانكفاء الضمائر. ومن تفاصيل المأساة أطفالٌ انطلقت بهم زوارق التهريب دون ذويهم، حتى رَسَوْا في بيوت أوروبية بانتظار التئامٍ قد لا يأتي، وجدّاتٌ هلكن في غابات البلقان مع مسنّين تجمّدت أطرافهم في صقيع لا يحابي العالقين عند الحدود.

وفي المحنة السورية، كما شقيقاتها اليمنية والعراقية والليبية والأفغانية وغيرها، رسائل بليغة تبعث بها أشلاءٌ متناثرة إلى كل ضمير، فكيف إن كانت القطعةُ الشاخصةُ للناظرين قدَماً فريدة؛ هي كل ما تبقّى من صبيّ سحقه برميل متفجِّر؟ إنها "قدمٌ بطعم الموت، تمرِّغ أنفَ عالمنا، بكل أصناف الهوان، قدمٌ تضاهي هامةَ الدنيا التي ظلّت تنام، قدمٌ ذبيحة، أو رايةٌ رُفعت.. فوق الرُّكام". وقد جاوزت المأساة السورية حدود الجغرافيا حتى تحرّكت شواهدها عبر أقاليم العالم، فكانت هذه المعايشات الوجدانية المغموسة بالآلام المتزاحمة عبر منافٍ نتقاسمها.

صعدتُ القطارَ الألماني المتطوّر من فيينا قاصداً ميونيخ، فخالجتُ بمتاعي الخفيف جموعَ اللاجئين الذين تقطّعت بهم السبل في بحثهم عن مستقرّ ومستودع فوق رقاع الجغرافيا. اختطفَنا القطارُ سريعاً، منطلقاً بمحاذاة الدانوب صوب منبعه، فتلازَمَت في صفوف الجالسين ملابسُ أنيقة كالتي أحظى بها على استحياء، وهيئاتٌ رثّة توزّعت على المقاعد، وها نحن نتشاطر جميعاً حصتنا من مخزون الهواء ورشفة الماء ومساحة البصر وضجيج السفر.

ما إن بلغ القطارُ بنا تخومَ ألمانيا، التي تقف على رأسها امرأة يُقال لها أنجيلا، وهو اسم ملائكي لمن برزت من يومها في هيئة الأم الرؤوم؛ حتى عاجَلَنا بالمكوث في مدينة باسّاو، المحاذية للنمسا التي جاوزناها. صعدت قوات الشرطة إلى عرباته، ولا يفوتك أن تلحظ بَسْطَتها في الأجسام واقتصادها في الابتسامة واستجماعها السلاح والعتاد، كنايةً عن الجاهزية للمواقف جميعاً.

فحص المسلّحون الوثائقَ والأوراق بتمعّن، وأمروا اللاجئين واحداً واحداً بالنزول من القطار فوراً. كانوا لطفاء وهم يصدرون الأوامر الصارمة التي تحطّمت معها أحلام وتبخّرت بأثرها آمال، وتبدّد إذعاناً لها مزيدٌ من المال، فمن المرجح أنّ بؤساء العصر من أشقائنا وشقيقاتنا قد اشتروا تذاكر قطارهم رجاءَ أن يبلغ بهم محطته الأخيرة في هامبورغ القاصية، وبات عليهم الآن أن يقبعوا هنا للنظر في تصريفهم إلى وجهاتٍ مبعثرة أو أن يُقذَف بهم وراء الحدود.

مضى الشبان والشابات والأمهات والأطفال وكبار السنّ والمرضى في مسير طويل، لا تنقصه سوى موسيقى جنائزية، مَضَوْا منصاعين لمصائر غير معلومة تُدبَّر لهم. إنه المسير الذي سيذكرونه محفوراً في وعي أجيالهم القادمة، التي لا يُعلَم أين ستنشأ، وكدتُ أهتف بهم من أعماقي: لا تجزَعوا! فأنا شقيقكم في المِحنة وإن سبقتكم إليها قرناً من زمن، وما زلتُ أرتحل عبر العوالم وروحي تطوف هناك.. في يافا.

كانوا رفاق الرحلة المغموسة بالآلام، وافترقوا عنّا هنا في باسّاو، ومن ورائهم آلافٌ مؤلفةٌ ممن ينتظرون قطاراتٍ متلاحقة كي تحملهم إلى المصائر ذاتها. ما إن تُنصت لحديثهم في محطات فيينا أو ما قبلها حتى تتسلّل إلى مسامعك وفرةٌ من أسماء البلدان والمدن والقرى والجزُر التي اجتازوها ناجين من التهلكة التي ألمّت ببعض رفاقهم. ليس بوسعك بعد هذا أن تحلم بقضاء عطلة ممتعة في جزيرة يونانية أو غابة بلقانية أو حاضرة مجرية، وقد صارت جميعاً محطات في خرائط المأساة.

لا تنقطع حكاياتهم عن جشع المهربين الذين تجرّدوا من الإنسانية، والألوف المؤلفة من اليورو التي دفعوا بها إلى سماسرة الأرواح في رحلة لم تنته بعد؛ وإن آلت ببعضهم إلى جوف البحر أو نعوش لم يودِّعها أحد. ثم إنهم يحملون متاعهم الخفيف ويركبون المخاطر التي لا تتيح لأحدهم أن يمسّ الماءُ رأسه أياماً وأسابيع، حتى يتسلل إلى أنفك أثرُ شقائهم من بعيد.

لن تنسى في مخالجتك هذه المأساة الشاخصة للناظرين؛ وجهَ طفل أو ضفيرة طفلة، إذ يُحمَل الصغار إلى عوالم لا يعرفونها ولا تعرفهم، ليُغرَسوا رغماً عنهم في أرضٍ جديدة لا تتحدّث بلسانهم ولا يشبهون أهلها سوى بالتماثل في العينين واللسان والشفتين، والقلوب التي في الصدور .. إذ تلمس أوجاع البشر أو تعمى عنها.


وَحدَهُ هنا
يدسّ كفّه في جيبه، أو تتوارى كفّاه معاً في جانبيْ سرواله، وهو من قماش الجينز غالباً. يرتدي قبّعةّ تحمل علامة شهيرة وإن كانت مقلّدة، قبّعة مخصصة لأولئك المتحفِّزين الذين لا يبدو مثلهم. يمضي وحيداً وعيناه حائرتان، وقد تخفيهما نظّارةٌ معتمة، أو يقف مستنداً إلى جدار، منتظراً من قد لا يأتيه. وَحدَهُ هنا من يبدو كذلك، وكأنه قادمٌ من وراء الجبل، أو جيء به من عالمٍ آخر.

لا تتسلّل البسمةُ إلى صفحةِ وجهه الأسمر، بتضاريسها القاسية، وإن سَمِعتَ له قهقهةً يتيمةً بمعيّة هاتفه؛ المحمولِ بيَدٍ تُنبئ بمشاقّ خاضتها ومسيرة إنهاك اجتازتها؛ أو لا تزال فيها عالقة. وهاتفه هذا هو رفيقه حيثما حلّ، أو نافذته التي ينسلّ عبرها من ديارٍ لم تفتح له قلبها، ليرتحل مع جهازه المحمول بوجدانه إلى حيث كان، في ريف دمشق أو إدلب أو حلب.


ولا تفارق الدُّمى ابتسامتَها
دُمى باسمة، يحملها طفل في مثل قامتها. دمى ملوّنة يحتضنها بوجهه الشاحب، بوجهه المستدير المجرّد من الانفعالات. يطوف بها، وقد انتصف الليل المطير، على بقايا الجالسين في مطاعم المدينة، التي لم يجرِّب ملاعبها وملاهيها. ليس طفلاً هذا ابن الثامنة أو التاسعة، فقد شقّت الحياة مسالكها في كفّيْه وتخلّلت أدرانُها أظفارَه، منذ أن قذفت به الحرب من قريته إلى أزقة اسطنبول، حيث يطوفها كل يوم وليلة، طلباً لفتات المال من العابرين.

يعمل الطفل لصالح أبيه الذي فرِّق أولاده في أرجاء المدينة التي لا تعبأ بوجوه قاطنيها، ليرجِعوا إليه في الهزيع الأخير من الليل حاملين قطعاً معدنية هي مزيج من الأثمان والصدقة، استعداداً لانطلاقهم في الدروب ذاتها في يوم جديد، سيكون كسابقه ولاحقه. يشتغل الصبيّ في تصريف دمى بهيجة يقترضها الأب من تاجر جَشِع، هو ابن ريفهم المهجّر، على أن يقع السداد بعد البيع.

وفي انتصاف الليل يتحسّب الصغير من جشع التاجر المُوَرِّد، الذي يظهر له فجأة خلال جولته التفقدية لمطاردة الصغار الذين يتقاسمون الأزقّة، فيسلِّط ضغوطه عليهم لتحصيل المعلوم. يترجّل الجَشَعُ على ساقيْن، ينفلت لسانه الفاحش بأقسى النعوت المُستلّة من قعر الشتائم النابية، تنهال السياط اللفظية على حامل الدمى الباسمة: "قل لأبيك أيها الوغد.. قل لأبيك.. إن لم يدفع.. سأفتك به.. سأجعله قطعاً من لحم، أتفهَم؟!". لا تشفع للصغير الذي يحتضن الدمي كلّ اعتذارياته المعهودة ولا أقسامه المغلّظة بأنه لا يحمل قطعة نقد واحدة: "ليس معي ليرة واحدة، صدِّقني!".

تشتدّ لغة الوعيد الذي تتردّد أصداؤه الهادرة في الأزقة التي تغفو بعد سهر مديد، فتنطلق التهديدات بأنه لن يتوانى عن سحق والده إن لم يدفع دون مماطلة، سيُمعن في إذلاله، سيعتدي عليه، ويفعل به الأفاعيل! رسائل مدججة بالقسوة والفُحش، ينبغي على الطفل أن يحملها لوالده، الذي يرتقبه في حجرة تتقلّب بعذابات قاطنيها. هي رسائل يسمعها الصبي كل ليلة أو ليليتين دون أن تستدعي سطوتُها رمشةً من أجفانه الصغيرة، وهي رسائل لا تنتفض لها دمى ملوّنة، فتواصل ابتسامتها كلّ ليلة، لأنه يحملها إلى عالم بهيج ليس مخصصاً له.

 
تبلّد الإحساس بالضحايا
شكا صاحبنا: ما لي أراني فقدتُ الشعور بالصدمة والحزن والتأثر حين سقوط أحدهم ضحية في صراع مديد؟ فأجبته: إنما أنت بَشَر - عزيزنا - وما ذكرتَ هو من سماتهم، فإنهم إن اعتادوا أمراً بتكراره لم تنتفض له أبدانهم وإن احتوى الفظائع. والناس إذ تخالج الصدمات المتلاحقة تستهينُ بأمرها مع الوقت، فيتبلّد منها الإحساس بها، وقد تستوقفها حالاتٌ دون الفواجع فتنشغل بها وتأسى لها على نحو لم تحظَ به ما فاقتها من فواجع.

وقد ذكرتَ في طيِّ شكواك أنّك ما عُدتَ تشعر بصدمة أو حزن أو تأثّر عند سقوط أحدهم، وهذا بَيِّنُ العلّة، فَإنَّك إن عددتَهُ "أحدَهم" جُعِل في وعيِك وحدةً عددية لا وجه لها ولا اسماً، فهو كسابقيه ولاحقيه، تغمره الجمهرة الذبيحة التي يتضاءل إزاءها. والحلّ أن تترفّق مع نفسك ولا تجلدها بأرَقِ الاتهامِ بالتبلّد والفتور، ولعلها نعمة أنعم الله بها عليك كي تقرّ عينُكَ ولا تَحزَن، وهذا أدعى للتصرّف على بصيرة بما يُنصِف الراحلين في دنيا فارقوها.

وإن طلبتَ الإحساسَ بما يستأهلُ الانفعالَ به؛ فارجِع البصرَ كرّتين إلى كل ضحية يُرى منها الوجهُ والعينان، واعقِد من سماتِ المشابهة فيها مع من تحبّ - حفظهم الله - وأطلِق العنان لشعورٍ دافق يُخالج وجدانك، ولا تأخذ بنفسك كلّ مأخذ بل افزَع إلى التصرّف الذي يبني ويزرع.. ويقيكَ آفة العجز المتأتية من إحساسٍ قاهر بغلبة الواقع على قواك. واستعن بالله ولا تعجز.

  • اسم الكاتب: حسام شاكر
  • المصدر: مدونات الجزيرة
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة