مدارسٌ على الأبواب.. وأطفال سوريا على باب الله!

23.أيلول.2018

التعلُّم حق لكلِّ طفل لكنه أصبح اليوم ترفًا للطفل السوري في البلدان العربية، بعد أن باتت أقساط المدارس الخاصة تضاهي أقساط الجامعات فلستَ مخيَّرًا أن تطرق أبوابَ المدارس الحكومية في البلد التي تقيم فيها، بل أنت مجبرٌ أن تُزاحم أبناءهم على مقاعد دراستهم بجيوبٍ فارغة لكن لا تنسَ أن تملأ جيوب قلبك بصبر أيوب دون أن تعدّ المدارس التي تقصدها وتردَّك من عتبةِ بابها بعد سؤالك: أجنبي؟ نعم سوري.. نأسف.

تتساءل هل أصبحت هويتي تهمة يُحاكَم عليها أبنائي؟! وقد تأتيك شجاعة هاربة من بين ضجيج الاحتجاجات التي تعترك في داخلك فتنبس ببنت شفة لماذا..؟ ليجيبك الموظف باستخفافٍ لجهلك: هكذا هو القانون! تجرُّ خيبتك دون أن تعلم ما هو الباب التالي وكل ما فيك يردد صدى جواب الموظف القانون.. هو ذات القانون الذي أجبرك على مغادرة بلادك والذي اعتقل جارك وخطف ابن عمّك ووهبَ بيتك لغريبٍ كهديةٍ على بقائه وكعقابٍ على هروبك.

تضيع في زحمةِ أفكارك، يُكبِّلك عجزك، فتُداري دمعةً تتوضَّأ في الأحداقِ لتُصلّي صلاةَ الغائب على ذلك القانون الذي لم يحضر إلا لينزع الحقائب الفارغة عن ظهر أطفالك، الذين انحنى ظهرك في حملهم وانتزاعهم من يد الموت في بلادك، بعد أن فرحوا بشرائها أكثر من ثياب العيد. لكن لا بأس لا تعتذر لطفلك عن قسوة المشهد واصطحبه معك وأنتَ تطرق أبواب مدارسهم ليضمَّ أحداث رحلة خذلانكما إلى شريط ذكرياته المشوَّهة، ويصمَّ أذنيه عند سماعه الأناشيد الوطنية ويكفر بتمجيد القادة والعرب فيُردّد في قلبه الفاتحة على روح العروبة.

لا تخشَ على تأزّم نفسيته فهذا الجيل يُرعبك بوعيه لما يجري حوله وحين يكبر لا أحد سيتوقع ردّات فعله. جيلٌ يوثّق تاريخَ الخذلان من العرب كلهم، لا تَلمه إن مجَّد أوروبا بعد أن سمع من ابن خالته عن مدرسته الجميلة ونشاطاتها الترفيهية. ولن تُفلحَ في إقناعه أن أولئك سيدمّرون جيلهم وبلاد العرب التي تغلق مدارسها في وجوههم سترعاهم! تعود بعد أن انتهاء ساعات دوام القانون آملاً أن يغيب في اليوم التالي وأنت تطرق بابًا من الأبواب، فيمرُّ بك طفلٌ صغيرٌ في السابعةِ من عمره تسأله بأي مدرسةٍ أنتِ يا صغيري؟ ليجيبك الطفل بغصَّةٍ: أنا ما تسجّلت! ليش: هيك لأني سوري! اقرأوها بدون مساحيق تجميلٍ لغوية، بلثغته، بحرقته، بلمعةِ الحزن في عينيه الجميلتين، وادفنوا العروبةَ في غمَّازته التي غابت عند الجواب.

تضرب أخماسك بأسداسك وتُفكّر أن تبيعَ قطعة الأرض التي هي آخر ما تملكه في الوطن، على اعتبار أن لا موعدَ لعودةٍ قريبة في جدول اغترابك، لتسدّد بنقودها أقساط مدرسةٍ خاصة تستقبل طفلك، لكن أرضك مسروقة يا ولدي وطريقك مسدودٌ مسدود! لكن لأجل عينيه اللتين نامتا باكيتين بعد ذاك اليوم الشاق لن تدع اليأس يتسرّب إلى قلبك الشهيد وتطرق مجدّدًا أبواب مدارس أخرى وقد يَعِدك مَن في قلبه مثقال ذرة من الرحمة بأن يُؤمِّن له مقعدًا في العام الدراسي القادم.

عندها لا حول لك ولا قوة! تعودان إلى البيت وأنتما تجرّان أذيال الخيبة، وبعد تفكير طويل تقرّر ألا تُضيِّع عليه السنة وتُكسبه مصلحة على الأقل، فتضعه عند جارك يعمل طوال النهار ونصف الليل براتبٍ زهيد علّه يوفر بعضًا من أقساط مدرسته في دكان زبائنه لا تعدّ ولا تُحصى يبيع المنتجات السورية.. وكأننا لم ننتج يومًا سوى الصابون والزعتر! ربما نسوا أو تناسوا أنهم إن مرضوا فتّشوا عن طبيب سوري! وإن تطاولوا في البنيان بحثوا عن مهندسٍ سوري! وأطفالهم لا يأمَن قلبهم إن لم يُعلَمهم مُدرّس سوري! فمنّا الوليد ومنّا الرشيد سنسود وسنشيد يومًا بإذن الله وبهمّةِ هذا الجيل الذي سيعود للوطن ويحميه من حُماةٍ ما حموه! ويردّ الدَّين لكل من أقرضه فرحًا أو حزنًا وبأيديه الناعمة التي حفرت الحرب خشونتها على خطوطها سيسطّر التاريخ. فانتظروه ليكبر..

  • اسم الكاتب: رفاه العياش
  • المصدر: مدونات الجزيرة
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة