مشكلة الغوطة والحل الممكن

20.آب.2017

لو أحصيت ما أنفقته في متابعة أخبار الثورة السورية من ساعة انطلاقتها الأولى إلى اليوم لبلغَ عشرة آلاف ساعة أو تزيد، ولعلي أعرف من تفاصيلها ودقائقها ما لا يعرفه إلا بضع مئات من أهل الثورة فحسب، وبعد ذلك كله أشهد شهادة لله وللتاريخ: إنني لم أعرف في الثورة مشكلة أكثر تعقيداً وتداخلاً من مشكلة الغوطة، ومَن ظن أن إعلام الجيش أو إعلام الفيلق الرسميَّين يقدمان معلومات صادقة قاطعة فهو واهم، ولو زعم أحدٌ أنه يملك الحقيقة الكاملة في هذه المشكلة المعقدة المزمنة فلا تصدقوه.

*   *   *

لقد مارس الطرفان وأنصارُ الطرفين ضغوطاً هائلة على المجلس الإسلامي وعلى طائفة من الأفاضل لانتزاع مواقف مؤيدة لأحد الفريقين ومجرِّمة للفريق الآخر، وكان الشرط الضمنيّ الذي يشترطه هؤلاء دائماً: عليكم أن تروا بأعيننا وتسمعوا بآذاننا وتَقبلوا روايتنا وتُعرضوا عن رواية الطرف الآخر وتَضربوا بها عرض الحائط. وهذا طلبٌ لا يُعقَل أن يُطلَب من وسيط محايد، فإن من بديهيات القضاء أن يستمع القاضي والحكَم إلى الطرفين، ومن صنع ذلك سوف يصطدم لا محالة بتناقض الروايات، فإما أن يأخذها جميعاً أو يرفضها جميعاً، وفي الحالتين لن يخرج بنتيجة، وعندئذ لا مناص من ترك ذلك كله واستنطاق الأدلة والشواهد والشهود.

فإذا صنع المرء ذلك خرج بنتيجة لا تسرّ الطرفين، وهي أنهما كليهما ليسا مصدراً موثوقاً للمعلومات وأن تحرّي الصدق ليس عندهما من الأولويات والمسلَّمات كما يظن المتابع البعيد، ولن يُحسم أبداً ذلك الخلاف الطفولي بينهما: مَن بدأ فهاجم ومَن رَدّ فدافع وأي الطرفين يحمل النسبة الأكبر من المسؤولية؟ لذلك لا بد من طَيّ كلام الطرفين والقفز فوق التفاصيل والذهاب مباشرة إلى الحل الممكن، وإن لم يكن هو الحلَّ النموذجي الكامل، حل يقدم مبادئ وقواعد عامة لحماية الغوطة من التفكك والضياع.

*   *   *

الحل الممكن والفرض الواجب هو وقف التنازع وتثبيت خطوط التماس بين الطرفين، وتجريم كل من يتجاوز تلك الخطوط أو يبدأ بإطلاق النار على الطرف الآخر أو يحرّك قواته تجاهه مهما تكن الذرائع والمبررات.

لا بد من الاعتراف بالأمر الواقع مهما بدا كريهاً: إن الغوطة الواحدة التي نعرفها لم يَعُدْ لها وجودٌ إلا في الخيال. لقد تم تقسيم الغوطة الشرقية المترامية الأطراف إلى إمبراطوريتين عظيمتين: "الإمبراطورية الغوطانية الشرقية" و"الإمبراطورية الغوطانية الغربية"، ولا يوجد أي حل عَمَلي يحقن الدم وينجّي الغوطة من الضياع بأمر الله إلا بتكريس تقاسم النفوذ بين المملكتين المستقلتين وإبرام اتفاقية عدم اعتداء بينهما، أو لنقل (ويا للمهزلة!) إننا نتمنى أن توقع المملكتان على "اتفاقية خفض تصعيد" يُمنَع بموجبها منعاً باتاً اقتراب أي من قوات المملكتين من حدود المملكة الأخرى أو المبادأة بعدوان أو إطلاق نار.

*   *   *

لا بد أخيراً من ملاحظة مهمة: هذا الحل (الممكن وليس النموذجي) يقتضي إخراج جبهة النصرة من المعادلة، فإذا بقيت لها فلول في أراضي المملكة الغربية فإن مسؤولية ملاحقتها وتفكيكها واتقاء شرها وضرها تقع على عاتق حكومة تلك المملكة حصراً، ولا يجوز أن تخترق قوات المملكة الشرقية الحدود بذريعتها ولا أن تنشئ قتالاً مع الممكلة الغربية بسببها.

نعم، النصرة عدو للثورة لا شك في ذلك، بل من أعدى أعداء الثورة، والتحالف معها خيانة بلا ريب، ولكن متى استباحت الثورةُ قتالَ أي فصيل تحالَفَ مع النصرة في أي يوم؟ هذه حركة الزنكي لمّا دخلت في التحالف الأخير (قبل أن تنفَضّ عنه أخيراً بحمد الله) هل دعا إلى قتالها عاقل مخلص من أهل الثورة؟ وهذه بعض فصائل إدلب التي تتحالف ضمنياً مع جبهة النصرة: هل قاتلها أحدٌ أو دعا إلى قتالها أحد؟

*   *   *

إن الغوطة اليوم كالصخرة المشرفة على الوادي العميق، أي حركة عنيفة قد تُفقدها توازنها القلِق فتتدحرج وتسقط في الهاوية، لكن الظاهر أن طرفَي الصراع في الغوطة لا يدركان حجم الكارثة التي يسوق تنازعُهما الأحمق الغوطةَ كلها إليها، فإما أن تضغط القوى الثورية والإعلامية على الطرفين لوقف ذلك العبث المجنون والخلافات الصبيانية بينهما، أو سيتكرر في الغوطة مصير حلب الحزين ولو بعد حين لا قدّر الله.

  • اسم الكاتب: مجاهد ديرانية
  • المصدر: الدرر الشامية
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة