من سيناء إلى كوباني ـ عين العرب

05.تشرين2.2014

الحرب هي سلسلة من المعارك، بعضها يجري في مناطق متعددة، وبعضها الآخر يحدث في فترات زمنية مختلفة، ولكنها كلها متصلة بمنطق واحد يربط طرفي العداء والمواجهة هو تناقض أصيل في القيم وفي المصالح وفي الأهداف. والحرب في النهاية هي اختبار يكشف المجتمعات والدول، وما لديها من صلابة وقوة وقدرة على حماية أمنها القومي، والأهم من ذلك كله مجموعة القيم التي تستخدم من أجلها القوة المسلحة. ما يجري حاليا بطول العالم العربي وعرضه هو من ناحية حرب عالمية لأن لكل من طرفيها أبعادا عالمية؛ سواء كان ذلك على جانب التحالف الدولي والإقليمي المقاتل للدفاع عن المنطقة والعالم من هول الجماعات المتطرفة والإرهابية؛ أو التحالف الدولي والإقليمي الملتف حول جماعة «داعش» أو دولة «الخلافة» والذي يأتي له المقاتلون من دول وقارات متعددة. الطرف الأول بدرجات مختلفة يعطي حق الاختيار لمواطنيه، ويجعل لمصالحهم في إطار الدولة الوطنية قيمة بقدر ما؛ الطرف الثاني لا يعرف درجات من أي نوع، لأنه يعتمد على فكرة هندسة المجتمعات في أنساق وسلوكيات كما فعلت النازية والفاشية من قبل. وضمن هذا الإطار يجري صب الإنسان، رجلا كان أو امرأة، في قالب بعينه، فملابسه محددة، وهيئته معروفة، وتحركاته منذ الصباح حتى ساعة النوم مقننة. هو لا يفكر، ومع ذلك فهو يعتقد أنه الأكثر تفوقا وعزيمة على كل من عاداه أو اختلف معه، أو كان له تفسير مختلف لنص.
المدهش أنه حتى الآن فإن التحالف الدولي والإقليمي لا يزال يرى في المعركة الدائرة أنها في مواجهة «الإرهاب»، ومن ثم فإن الأسلوب الأمثل للتعامل معها هو في الإطار العسكري للتعامل مع الإرهابيين أو بالإنجليزية Counter Terrorism. وهذه هي المدرسة التي تطورت في الفكر العسكري الأميركي حتى بلغت ذروتها وأكثر درجاتها نقاء مع تولي باراك أوباما الإدارة الأميركية عندما جنح بالمؤسسة العسكرية إلى هذا الاتجاه. ولمن يريد أن يعرف ما هو أكثر عن هذه المدرسة فإن عليه متابعة قصة القضاء على أسامة بن لادن حيث كانت هناك قوات خاصة عالية التدريب، ولديها أدوات اختراق دول وحدود دون حرص على سيادة أو مكانة، وتعتمد على معلومات واستخبارات كثيفة لتحديد الهدف بدقة، ثم قادرة على الانقضاض على الهدف وتدميره. وهكذا دارت المعركة الأميركية ضد الإرهاب خلال السنوات الماضية مع قتل قيادات «القاعدة» وتمزيق إطارها التنظيمي. مثل ذلك كان فعالا سياسيا بدرجة ما لرئيس أميركي لا يعرف عنه الصلابة العسكرية، وربما كان مفيدا في تغطية انسحاب القوات الأميركية من العراق وأفغانستان، ولكن المؤكد أنها لم تفلح في القضاء على الإرهاب بل إنه تمدد واستشرى في مناطق واسعة من العالم وخاصة في الشرق الأوسط الممتد من المغرب إلى حدود الصين، ومن تركيا حتى الصومال ونيجيريا.
وهكذا فإن الأسلوب الذي تعمل به الولايات المتحدة حاليا في التعامل مع معركة كوباني-عين العرب لا يزال يدور في فلك نفس الاستراتيجية، وكانت النتيجة أن أسابيع مرت دون حسم لأن القصف الجوي وتدعيم القوات المدافعة عن المدينة ببضع مئات من المقاتلين ليس كافيا. العجيب أن نجاح «داعش» في حصر المعركة في مدينة واحدة، أعطاه القدرة على التحرك ناحية بغداد، والتوسع في محافظة الأنبار وإعطاء جبهة النصرة التابعة لـ«القاعدة» القدرة على الاستيلاء على قرى في إدلب السورية، بينما الجماعات المؤيدة لها، والتي بايعت إبراهيم البغدادي خليفة للمسلمين في المغرب والجزائر وتونس وليبيا تحاول كل منها أن تجعل لنفسها قاعدة أرضية تتحرك منها، فإذا فشلت فإنها تحاول أن تجعل حالة البلد التي تعيش فيها بائسة ومضطربة وغير مستقرة. الهجوم الذي قامت به جماعة أنصار بيت المقدس على جنود مصريين عند نقطة كرم القواديس جنوب الشيخ زويد قرب العريش في سيناء كان جزءا من الحرب الدائرة حتى ولو شكل معركة منفصلة بلغ ضحاياها 50 بين قتيل وجريح.
المدهش أيضا أنه في الوقت الذي تحارب فيه الولايات المتحدة بمنطق محدود وضيق، فإنها لا تدرك أن «داعش» هو قمة جبل الثلج الذي يضم شبكات هائلة من التنظيمات. في الحالة المصرية على سبيل المثال فإن شبيه وحليف «داعش» هو جماعة أنصار بيت المقدس والتي تحاول أن تجعل من سيناء قاعدتها الجغرافية، ولكنها في نفس الوقت هي قمة جبل النار الذي يضم جماعات أخرى أكثرها عددا جماعة الإخوان المسلمين التي تعمل على إشاعة القلق في الجامعات المصرية وفي الشارع المصري، وبجوار هؤلاء توجد طوائف متنوعة من الجماعات الأصولية التي لكل منها تاريخ في العنف والإرهاب. هؤلاء جميعا لهم أدوار متعددة، بعضهم يلعب دور المقاتل، والآخر السياسي، والثالث وهو الأخطر يأخذ دور «المعتدل». هذا الأخير مهمته التعامل مع القوى اليسارية والليبرالية وتطويعها نفسيا وفكريا، وربما حتى تطويع الولايات المتحدة ومن ورائها الغرب كله الذي ما زال يراهن على «المعتدلين» الأصوليين، بل إنه أحيانا يراهم المقدمة الطبيعية للديمقراطية في البلدان الإسلامية. ولعل ذلك يفسر حالة الحماس الشديد التي انتابت أوباما وأقرانه إزاء نتائج الانتخابات التشريعية في تونس. الغفلة هنا مصدرها أن الأغلبية الساحقة من الإخوان المسلمين هم من «القطبيين» المنتمين إلى سيد قطب الذي كان فكره هو الأساس لكل الجماعات الإرهابية في العالم؛ ومن الجائز أن تونس نجت من هذا المصير لأنها من ناحية كانت دوما دولة مدنية عريقة، ولأن إخوانها اختلطوا بالمدنية الحديثة ومن ثم خف بعض من تشددهم وتطرفهم.
تونس هكذا قد تكون استثناء من القاعدة العامة، أما ما هو سائد بين التيارات الراديكالية المتطرفة المختلفة فهو أنها أعلنت حربا على العالم عامة، وعلى المسلمين خاصة. الحرب هنا من أجل الإخضاع لنمط من الحياة لا يليق بعالم متحضر، أو يليق بشعوب القرن الواحد والعشرين. «داعش» وأقرانه ليسوا استثناء من القاعدة العامة للحركات الأصولية التي خرجت من منابع فلسفية قوامها هندسة الحياة الإنسانية من جديد كما أسلفنا، طالما أن لديهم أصيل الاعتقاد أنهم «الجماعة الناجية من النار»، بينما غيرهم فإن مصيرهم جهنم وبئس المصير. حرب هؤلاء لا يكفي فيها «مقاومة الإرهاب»، أو ضربة جوية هنا أو هناك، أو الوقوف على أبواب مدينة محدودة المساحة والعدد لعل النصر فيها يفي بالغرض ويؤدي إلى تراجع الإرهابيين؛ الحرب هنا لا تقل في شمولها وعمقها عن الحروب العالمية التي سبقت.

  • اسم الكاتب: عبد المنعم سعيد
  • المصدر: الشرق الأوسط
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة