نصر الله: إلى العراق أيضاً

27.شباط.2015

فوجئ اللبنانيون، قبل أيام، بأمين عام حزب الله، حسن نصرالله، يدعوهم إلى القتال، ليس فقط في سورية، وإنما أيضاً في العراق، لمواجهة "داعش" ووقف تمدده، وعدم انتظار أميركا التي شكك في جدية نياتها بالقضاء على هذا التنظيم. واعتبر نصرالله أن "اللعبة في سورية انتهت"، وأن نظام بشار الأسد باق، وهو مستعد برأيه لـ "حل سياسي يسمح للمعارضة غير التكفيرية المشاركة في تسوية".
ليست هذه المرة الأولى التي يخاطب فيها نصرالله اللبنانيين. وأخيراً، راح يكثف إطلالاته، إلى درجة أنه أطل عليهم، للمرة الثالثة خلال شهر فبراير/شباط الجاري. وقد دأب على الظهور عبر الشاشة المتلفزة أمام جمهور يحتشد لسماعه، وكأنه حاضر بينهم، في إحدى ملاعب كرة القدم في الضاحية الجنوبية من بيروت، معقل حزب الله. وهو قادر باستمرار على حشد عشرات الآلاف من جمهوره (الشيعي) العريض، غير أن اللافت احتلال الصفوف الأمامية باستمرار من معظم وجوه ما يسمى "محور الممانعة"، بدءاً من قياديين في حزب الله، مروراً بمسؤولين من حركة أمل (الشقيقة اللدود)، وبقياديين من تيار الجنرال الأسبق، ميشال عون، (المسيحي)، ومن بقايا الحزب القومي السوري وبقايا حزب البعث، يتقدمهم السفير السوري في بيروت، ومن فلول أحزاب ما كانت تعرف في أثناء الحرب الأهلية باسم "الحركة الوطنية" (من ناصريين وقوميين وإسلاميين)، ومن يتامى أنصار نفوذ النظام السوري في لبنان، وأصحاب الحظوة، التي وجدوها، اليوم، أو يبحثون عنها لدى حزب الله.
ناهيك عن حشد من رجال الدين الشيعة وأصحاب العمامات، وقلة من رجال الدين السنة. يجلسون كلهم صاغين، لا ليستمعوا إلى نصرالله شخصياً خطيباً أمامهم بالصوت الحي، وإنما رافعين نظراتهم إلى فوق لمشاهدته، يظهر عليهم عبر شاشة عملاقة، توضع خصيصاً في صدر الملعب. وتلوح فوق رؤوس الجميع أعلام حزب الله الصفراء، فيما تندر مشاهدة علم لبنان يرفرف في الأفق.
وكان ظهوره المرة الأولى في بداية الشهر الجاري لتعبئة جمهوره، وشد عزيمته، بعد عملية القنيطرة التي ذهب ضحيتها ستة من كوادره، من بينهم ابن عماد مغنية وجنرال من الحرس الثوري الايراني. لم يتكلم نصرالله إلا بعد أن رد حزبه بمهاجمة دورية إسرائيلية في مزارع شبعا اللبنانية، بعد مرور اثني عشر يوماً على عملية القنيطرة. والثانية قبل أيام للاحتفال بذكرى شهدائه، والرد على زعيم تيار المستقبل، سعد الحريري، الذي وصف مشاركة حزب الله في القتال دفاعاً عن النظام السوري بـ"الجنون"، وطالبه بالانسحاب من سورية. واعتبر "محاولة إنقاذ بشار الأسد ضرباً من ضروب الانتصار الوهمية".
ومن هنا، دعوة نصرالله للقتال في سورية (عملياً إلى جانب النظام)، محاولاً طمأنة اللبنانيين إلى أن "الوصاية السورية لن تعود". وبالفعل، لاقى الحريري في أكثر من منتصف الطريق، مؤكداً على استمرارية الحوار بين الطرفين، وأعلن تجاوبه مع أي مبادرةٍ، من شأنها أن تحل مشكلة الفراغ، وتؤدي إلى انتخاب رئيس للجمهورية، علماً أن نوابه ونواب التيار العوني

"شن هجوماً على معظم العرب، ووجه كلامه تحديداً إلى السعودية ودول الخليج التي منّنها بأن من يقاتلون "داعش" في العراق يدافعون عنها، ومنعوا وصول هذا التنظيم إليها"

يقاطعون منذ تسعة أشهر جلسات الانتخاب. وأكد على ضرورة استمرار الحكومة الحالية وتحصينها، لأن لا بديل لها.
ومقابل المرونة التي أبداها للحفاظ على الاستقرار في الداخل، رفع نصرالله من نبرة التحدي في خطابه، متناولاً الوضع الإقليمي، وشن هجوماً على معظم العرب، ووجه كلامه تحديداً إلى السعودية ودول الخليج التي منّنها بأن من يقاتلون "داعش" في العراق يدافعون عنها، ومنعوا وصول هذا التنظيم إليها. وذهب، صراحةً، إلى حد دعم التمرد الحوثي في اليمن، والاستيلاء على السلطة في صنعاء، فخاطب الخليجيين قائلاً: "ابحثوا عن أسباب فشلكم في اليمن، حيث هناك ثورة شعبية حقيقية"(!) يقودها جماعة أنصار الله (أي الحوثيون)، وأضاف حرفياً بتهكم: "لا تريدون أن تقرأوا يا جماعة الخليج"، أليس لديكم من يقرأ لكم؟".
ورداً على من يقول بعدم الغوص في الصراع الإقليمي الدائر، والسعي إلى تحييد لبنان وتحصين الداخل بوجه الحرائق المشتعلة، أكد نصرالله أنه "كلام نظري جميل. ولكن، أين يصرف..."، معلناً أنه يجب الانخراط في "ساحات المواجهات الدائرة في سورية والعراق واليمن و... في أي مكان، لأن الدول الكبرى تسعى وراء مصالحها، والتي هي، الآن، مهددة في المنطقة". ولا بد، إذن، من المشاركة، لكي يتأمن الحضور على طاولة المفاوضات، أي أنه يدعو، كما اعتبر أخصامه، إلى تقديم لبنان وقوداً لإيران في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة. وهو يعتبر، بطبيعة الحال، أن إيران هي اليوم في مصاف الدول الكبرى. في المقابل، ينصح اللبنانيين بأن لا ينتظروا أي حل أو تسوية للفراغ الرئاسي من الخارج، وأن لا يراهنوا على أي اتفاق سعودي – إيراني، أو على المفاوضات الأميركية – الإيرانية.
ليست المرة الأولى التي يتوهم فيها أمين عام حزب الله بأنه بات في منزلة تحقيق الانتصار على "الدول العظمى"، وقد سبق له أن اعتبر أنه أصبح لاعباً إقليمياً، إثر حرب يوليو/تموز 2006، والتي صمد فيها أمام الاجتياح الإسرائيلي للبنان. وليست المرة الأولى التي يوهم فيها جمهوره أن الحل السياسي بات قاب قوسين في سورية، ويتكلم وكأنه أصبح الحاكم الفعلي في دمشق، مؤكداً أن الأسد باق. أما الخطوة الأخيرة فكانت محاولة إيهام جمهوره بأنه، اليوم، في سورية يقاتل إسرائيل التي تدعم وتسهل مرور مقاتلي "داعش" على جبهة القنيطرة، كما تروج صحف وأجهزة إعلام "الممانعة" ومعلقوها. ولا يتورع عن إضافة شعار تعبوي وديماغوجي آخر، معتبراً أن المعركة هي "دفاع عن الإسلام وليس عن محور".
غير أن دعوة نصرالله للقتال في سورية لم تلق، بطبيعة الحال، أي تجاوب لدى اللبنانيين، الذين يشاهدون النزف المستمر في صفوفه، والتشييع شبه اليومي لمقاتليه في سورية. لا بل، إن ما يطرحه لم يعد يثير أي اهتمام لديهم، خصوصاً وأنه بات يكرر نفسه سورياً واقليمياً، فيما حليفه عون يبحث عن مجد شخصي يكلل به رأسه في خريف العمر.

  • اسم الكاتب: سعد كيوان
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة