نصر الله وحق تقرير المصير

04.تشرين1.2017

هناك حكمة فارسية شهيرة تقول: "ليس العاقل من يميّز الخير من الشر بل العاقل من يعرف خير الشرين"، براغماتية واضحة لسياسة قديمة لا تنفك تعتمدها إيران الى الآن.

يبرر السيد حسن نصرالله لإيران تدخلها في المنطقة من اليمن العراق وسوريا، يرسم لها صورة على شكل القديسين وفاعلي الخير، يعطيها مسحة المؤسسات الخيرية، و طبعا يريد ان يبرهن للجمهور في ليلة العاشر من عاشوراء انه على علاقة ودية مع إيران بإبتسامة مرسومة بدقة على طريقة النجوم " أنا صاحب إيران وصديق إيران".

ايران مثلها مثل اسرائيل دولة لها مطامع في المنطقة لم تبسط نفوذها وتنشئ ميليشياتها، لوجه الله، الفرق بينها وبين اسرائيل ان الاخيرة واضحة الاهداف، اما ايران فهي عدو بثوب صديق، تضمر ما لا تقول، وتقول عكس ما تضمر، بسياسة حياكة المؤمرات والمكر الهادئ، استطاعت ان تتغلغل داخل العالم العربي وان تسيطر على المنطقة قطعةً قطعة، مستغلة تارةً القضية الفلسطينية وتارةً قضية المستضعفين وتارةً حق شعوب المنطقة في تقرير مصيرها.

تحتل اسرائيل جزءً من فلسطين، تحتل ايران ثلاث عواصم عربية، دمشق، بغداد، وبيروت، الاحتلال لا يكون عسكرياً فقط.

قتلت اسرائيل شعوباً عربية، ساندتها ايران بقتلها شعوبا عربية ايضاً ولكن القتل هذه المرة جاء ذو طابع مذهبي، الامثلة كثيرة ولكن المساحة لا تتسع. الاثنتان عدوتان ولهما اطماع. واحدة واضحة والاخرى باطنية.

يأخذ نصر الله على اسرائيل تعجرفها وفوقيتها واستكبارها، وكأن تعاطيه مع دولة كالمملكة السعودية او كدول الخليج ليس استكباراً واستعلاءً بإلقاء التهم عليهم ونصحهم وارشادهم وتهديداته المبطنة: "هذا السيف سيصل إلى أعناقكم وهذا السم سيوضع في آنيتكم وفي أطعمتكم فانتبهوا للسيف أين تسلّوه وللسم أين تطبخوه"، واليس تعامله مع الدولة اللبنانية انتقاصاً من كل السلطات الموجودة، بتدخله بكل شاردة وواردة كمرشدٍ أعلى للجمهورية، والحكومة اللبنانية لم تقم حتى الأن بأية ردة فعل وكأن ما يجري يجري في بلدِ آخر، وهو حتماً يجري في بلدٍ اخر، هذه ليست صورة لبنان الذي نعرف، مشاهد عاشوراء التي تتضخم كل سنة عروضها، حتى لتظن انك في ساحة الحرية في طهران، والسلطات الرسمية غائبة عن الوعي.

يصل نصر الله الى القضية الفلسطينية حبة الكرز التي تزين قالب الحلوى يقول: "بمعزل عما الذي سيفرض على الفلسطينيين، والفلسطينيون لن يقبلوا أن يُفرض عليهم ما يسيء إلى حقوقهم،".

هنا يقف السيد الى جانب الفلسطينيين وحقوقهم ولا يقبل ان يفرض عليهم او ما يسيء اليهم، ويتنكر لقضية الاكراد ويصل بإستنتاجه أن حقوقهم هي وليدة مشروع الشرق الأوسط الجديد.

القضية الكردية تشبه القضية الفلسطنية بكثير من جوانبها ومعاناة الشعب الكردي لا تقل عن معاناة الشعب الفلسطيني، لكن الفرق هو أنه سها عن ذهن السيد التاريخ، لا دخل للقضية الكردية بالشرق الاوسط الجديد ولا القديم والتاريخ لا يعود الى عام 2006 او عام 1917 حتى، تاريخ وعد بلفور، هي أقدم بكثير يصل تاريخها الى 1515 أي الى الدولة العثمانية، حيث قام العلامة إدريس، بعد تفويضه من قبل السلطان العثماني، بعقد اتفاقية مع الأمراء الكرد، يتضمن اعتراف الدولة العثمانية بسيادة تلك الإمارات على كردستان وبقاء الحكم الوراثي فيها ومساندة الأستانة لها، ومن ثم عام 1555 قامت الدولتان الصفوية والعثمانية بالانقلاب على هذه الاتفاقية بعقد اتفاقية ثنائية عرفت بـ"أماسيا" وهي أول معاهدة رسمية بين الدولتين. وتم بموجبها تكريس تقسيم كردستان رسمياً وفق وثيقة رسمية نصت على تعيين الحدود بين الدولتين، وخاصة في مناطق شهرزور، وقارص، وبايزيد وهي مناطق كردية.

وفي العهد الحديث رسِمت حدود الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى مع معاهدة سيفر 1920 من جديد، وفقدت الدولة جزءاً كبيراً من أراضيها. وتعطي هذه المعاهدة للأكراد حق الحكم المحلي، وبعد سنة واحدة حق مراجعة عصبة الأمم للاستقلال.

وفي 1 تشرين الثاني عام 1922 انتهى حكم الدولة العثمانية رسمياً، وفقدت معاهدة سيفر صلاحياتها. و توزّع بعدها الأكراد في ثلاث دول ضمن الحدود السورية والتركية والعراقية، إضافة إلى الأكراد في إيران.

كان لا بد من هذه المراجعة التاريخية لاثبات للسيد نصر الله وللعرب الذين لا يقراؤون الا من خلال مواقف اسرائيل المؤيدة او المعارضة لاي حدث في العالم، ومن هناك تتشتت اذهانهم فلا يحللون الحدث سلبا او ايجابا فتأتي مواقفهم غاية في الرجعية، لذا عادة ما يصلون متأخرين.

ولن نأت بجديد اذا ما قلنا أن خريطة المنطقة هي من ابتكار الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس، حيث تم تقسيم المنطقة على شكلها الحالي والحدود كما نعرفها هي مصطنعة، حيث حشرت القوميات والاثنيات دون ان يأخذ برايها عبر استفتاء عادل كم يجري اليوم.

هل تستطيع ان تلغي حق الارمن بوطن نهائي لهم او اليونان؟ او اية قومية أخرى، جاءت اتفاقية سايكس-بيكو ورسمت خريطة الشرق الاوسط القديم وشكل الحدود، كان من الممكن ان يكون اللبناني بلا بلد او السوري او العراقي، انها مجرد فرضية.

الخريطة الحالية والحدود هي مستعارة وهشة غير حقيقية، وقد بدأت بالتفكك لانها فرضت فرضاً، وهذا ما يفعله او يحاول فعله الاستبداد مرة جديدة اي فرضه بالقوة، قبله جاء العثماني بجزمته بعده البعث هجر العقول خارج الحدود ومن بقي ذوبه بالاسيد، ومن ثم جاء الاسلام السياسي، داعش ومظاهر عاشوراء.

القيم الانسانية لا تتجزأ لا بالمكان ولا بالزمان، لا تستطيع ان تساند حق الفلسطيني دون ان تساند حق الكردي هي نفس القضية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها واحد، إن في الصين او في سوريا.

يقول Baron de Montesquieu بارون مونتسيكيو في كتابه "روح القوانين" أو "الشرائع" :"إن الطبيعة هي التي تحدد نوع الدولة، أو نوع العلاقات بين الأفراد التي تحدد بالتالي شكل الدولة"، ويقصد بالطبيعة المناخ.

فأي مناخ هو المسيطر على المنطقة الان غير مناخ التطرف والارهاب والتزمت، واي مثال اعطي لشعوب المنطقة من حرية وعدالة ومساوة لتدخل العقد الاجتماعي وجو الوحدة، بحريتها وليس فرضاً، كما يدعو السيد نصرالله.

"امة عربية واحدة" شعار البعث في الخمسينيات والستنيات، لا ينطبق على مناخ اليوم، حقبة انتهت، في هذه المناخات على كل طرف ان يعيد حسابته، مثلا سؤال حشري يجول في رأسي، ماذا لو اراد الشعب الفلسطيني السلام؟

  • اسم الكاتب: سوسن مهنا
  • المصدر: العربية
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة