هذا التفهّم الروسي في سورية

25.أيلول.2018

ازداد تواتر الهجمات الجوية الإسرائيلية على الأراضي السورية التي تقيم عليها إيران قواعد ومخازن أسلحة، بعد زيارة وزير الدفاع الإيراني، أمير حاتمي، دمشق، والإعلان عن توقيع اتفاقيات عسكرية بين دمشق وطهران. كانت الزيارة عنواناً لفشل مساعي إخراج إيران من سورية، أو تحجيم مدى نشاطها في الجنوب، بمحاذاة الحدود مع فلسطين، وقد سلمت روسيا  بذلك، وأكد وزير خارجيتها، سيرغي لافروف، عدم واقعية هذا الطلب.

السياسة الروسية المتسمة بواقعية لافروف، والتي لم تفلح في إخراج إيران، كانت، في الوقت نفسه، أكثر واقعيةً في التعامل مع الهجمات الإسرائيلية المتصاعدة، فأغمضت عنها عينيها، واكتفت ببياناتٍ خاليةٍ من المعنى، تدعو إلى ضبط النفس، من دون لهجةٍ حازمةٍ لمحاولة لجم القوة الإسرائيلية، حتى بدا أحياناً أن روسيا تدعم هذه التحركات، من دون إبلاغ الجانب الإيراني، ولا حتى السوري، بموعدها، لأخذ الاحتياطات اللازمة.

بدأت تركيا تعزيز نقاط المراقبة المتفق عليها، والتي تحفظ هدوء المنطقة، وأصبح هذا التعزيز علنياً ومبرّراً قانونياً بموجب اتفاق سابق، ما أوجد مساحاتٍ يصعب على روسيا الاقتراب منها، أو تبرير استهدافها، وإن بالخطأ، وهذا التعزيز العسكري التركي موقف سياسي للرئيس التركي، أردوغان، مهَّد لعقد لقاء قمة مع نظيره الروسي، بوتين، في السابع من سبتمبر/ أيلول الحالي، حيث أُعلن من هناك اتفاقا أجَّل هجوم النظام على إدلب، وهي نقطة واقعية أخرى، أو ربما براغماتية للسياسة الروسية، في مجمل تحرّكاتها على الساحة السورية.

يُعزى قسم من قبول روسيا وقف الهجوم، أيضاً، إلى الحشد الغريي الكبير بمحاذاة الحدود السورية البحرية، والتي تبدو مصمّمةً على منع نظام الأسد من الوصول إلى نصرٍ حاسمٍ بمساعدة الروس، وقد غلفت رفضها، هذه المرة، بدوافع نبيلة، هي منع الهجرة الجماعية التي قد تنتج عن هذا الهجوم، وهذا جانب واقعي آخر من السياسة الروسية التي تأخذ القوة المضادة بعين الاعتبار، فعلى الرغم من العدد الكبير لسفنها وأساطيلها المرابطة في المتوسط، إلا أنها تحجم حتى الآن عن استفزاز الجانب الغربي، واستطاعت أن تجد مخرجاً مؤقتاً بتقارب جديد مع تركيا التي وقعت معها اتفاقاً، يمكن أن تعدّه انتصاراً لها وليس للنظام، ويمكن لتركيا أن تعتبره إنجازا يجنّب المنطقة ويلاتٍ جديدة، وإفساح مجالٍ لموجة جديدة من المظاهرات التي تزيّنها الأعلام الخضراء الناصعة، الخالية من أي أثر للتطرّف، في إشارة إلى التوجه العام الذي يرغب به السكان.

قد يكون السلوك الروسي تجاه سقوط طائرة الاستطلاع الروسية، والمحملة بأربعة عشر جندياً، واقعيةً مميزةً أخرى في مسيرة تصرّفاتها خلال الحرب السورية، فقد أدّى ازدحام الأجواء السورية بالطائرات الصديقة والمعادية إلى حماسةٍ عشوائيٍّة لكتيبة دفاعٍ جوي سورية، مجهزّة بمعدّات قديمة بإسقاط الطائرة، نتج عنه وجومٌ سوري كامل، لكن برقية تعزية سورية أعقبت الحادث، وأعقب ذلك، وربما سبقه، تفهّم روسي لصالح اتهام إعلامي روسي لإسرائيل بذلك، في واقعية دبلوماسية أدت إلى مزيدٍ من التقارب بذهاب وفد عسكري كبير من إسرائيل، ضم قائد القوات الجوية، لإيضاح ما جرى بالتفصيل، وقد اقترنت هذه الزيارة بأسفِ إسرائيلي عما حدث، لكن الأهم من ذلك كله إصرار إسرائيل، وفي بيان الأسف نفسه، على مواصلتها سياسة الهجوم على الأهداف الإيرانية في سورية.

تتحرّك روسيا على الجبهات السورية، من دون أن تتمكّن من أن تكون لاعباً وحيداً، وتامّ الفاعلية، فهي لم تستطع تجاوز الوجود الإيراني، ولاقى الوجود الغربي والأميركي على الشواطئ السورية استيعاباً جعله يغيّر بعض مواقفه، وأوجد مكاناً لتركيا في الشمال، كان مقتصراً، في السابق، على مثلث جرابلس عفرين إعزاز، تمدّد الآن ليشمل منطقةً واسعةً من إدلب وريف حلب الشمالي. هذا التفهم الروسي الذي يؤمّن مصالح الجميع في سورية، وحده الشعب السوري لم يلقَ نصيباً منه.

  • اسم الكاتب: فاطمة ياسين
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة