هل سيشارك الأردن في الحرب البريّة؟

20.تشرين1.2014

لا تزال التسريبات والمعلومات شحيحة عن نتائج وكواليس اجتماع واشنطن (الأسبوع الماضي) لأكثر من أربعين قائداً عسكرياً، يمثلون الدول المتحالفة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، فيما كشف تقرير مهم لمراسل "العربي الجديد" في واشنطن عن إحدى أبرز القضايا التي تمّ طرحها في الاجتماع، وتتمثّل في الانتقال نحو الحرب البريّة، لكن بجنود عرب بدلاً من الأميركيين، وهو ما ردّ عليه القادة العسكريون العرب (وفق التقرير) بأنّهم لا يحملون تفويضاً سياسياً حوله.

على الرغم من أنّ هنالك إقراراً من السياسيين الأميركيين بمحدودية تأثير الضربات الجوية إلى الآن، وبالشك في نجاعة الاعتماد على الجيش العراقي والبشمركة، أو حتى تدريب وتأهيل 10 آلاف مقاتل من الجيش السوري الحرّ، إلاّ أنّ الإدارة الأميركية لا تزال تواجه معضلة حقيقية في الانتقال نحو الخطة البرية، ولا يتوقع أن يضحّي الرئيس باراك أوباما بوعوده ومواقفه التي التزم بها مع الأميركيين، ويورّط الولايات المتحدة في حرب بريّة جدية.

إذاً، لا يوجد أمام الإدارة الأميركية سوى الاستمرار في الاستراتيجية الراهنة مع تطويرها، عبر تكثيف الغارات الجوية وزيادة المدرّبين والخبراء الأميركان، والرهان على المجموعات المحلية، وعلى استنزاف التنظيم على المدى الطويل، حتى لو تطلّب الأمر أعواماً، أو التحوّل نحو ترجمة القصف الجوي بريّاً، ما يدفع إلى التفكير في الدول المرشّحة لمثل هذا الدور، أيّ المشاركة في الحرب البرية، مع عدم وجود رغبة أميركية بالتورط.

ربما كان الموقف التركي في أزمة كوباني نموذجاً مهمّاً ومفتاحاً لفهم ديناميكية الأزمة الراهنة، فعلى الرغم من كل الضغوط على الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلاّ أنّه لم يتدخل عسكرياً، ولم يضع حتى القواعد الجوية في خدمة القوات الأميركية إلى الآن، وتجنّب فتح صراع عسكري مباشر مع داعش، لأنّ المصالح التركية في سورية لا تتّسق مع هذه الضغوط الشديدة.

الإخفاق الأميركي والحديث عن الحرب البرية، انعكس على السجالات والنقاشات الداخلية الأردنية، في الأيام الماضية. فعند الحديث عن قوات عربية، من الواضح أنّ المقصود، بدرجة رئيسة، الأردن، الذي، وإنْ أعلن عن مشاركته في الضربات الجوية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، إلاّ أنّ هنالك حسابات أكثر تعقيداً وصعوبة وحساسية، تدخل في اعتبارات "مطبخ القرار" في عمان، عند التفكير بأيّ دور أردني محتمل في الأراضي السورية، أو العراقية.

إلى الآن، ينظر الأردن إلى دوره ضمن المربع التقليدي، سواء في الدعم اللوجستي العسكري أو حتى الاستخباراتي الأمني، وتدريب العراقيين والسوريين، وتسهيل عمل قوات التحالف. على الرغم من ذلك، حاولت نخبة سياسية رسمية التلميح إلى احتمالية مثل هذا السيناريو، بالتأكيد على خطر هذا التنظيم على الأمن الوطني، وحق الأردن في الدفاع عن نفسه، قبل أن يأتي الخطر إليه، لكن هذا الموقف السياسي والإعلامي المبطّن كان خجولاً وضعيفاً، وليس صريحاً في المشهد السياسي والإعلام.
"
الأكثرية الساحقة من الأردنيين  ترى تنظيم "داعش" إرهابياً وخطراً على الأمن الوطني
"

أيّ قرار بمشاركة أردنية عسكرية بريّة سيأخذ في الاعتبار قضايا جوهرية وأساسية، في مقدمتها عدم القدرة على تبرير، أو تفسير، أن يكون الجندي الأردني بديلاً عن الجندي الأميركي والغربي. فإذا كانت الولايات المتحدة ليست مستعدة لوضع أبنائها في مواجهة تنظيم المفخخات والذبح والانتحاريين، فالأردنيون لن يتقبّلوا هذه الفكرة أيضاً.

الأمر الآخر أنّ هنالك انقساماً لا يزال في أوساط الرأي العام الأردني تجاه الحرب الراهنة وشرعيتها، ومشاركة الجيش الأردني فيها، على الرغم من أنّ الأكثرية الساحقة من الأردنيين (كما أظهر استطلاع رأي لمركز الدراسات الاستراتيجية الأردنية أخيراً)، ترى في هذا التنظيم إرهابياً وخطراً على الأمن الوطني. لكن، على الطرف الآخر من المعادلة، لا توجد ثقة بالولايات المتحدة، ولا بأهدافها من هذه الحرب، ما يجعل الأمر أكثر تعقيداً.

استطلاع الرأي العام نفسه أظهر، أيضاً، أنّ هنالك نسبة مهمة تتجاوز الـ30% من الأردنيين ليست حاسمة في تعريفها لتنظيم الدولة الإسلامية والموقف منه، ونسبة أكبر تزيد على الـ50% من جبهة النصرة، ما يعني أنّ هنالك مساحة رمادية كبيرة في مواقف الأردنيين، تجعل الرأي العام غير مهيئٍ ولا مُعدٍّ لمثل هذه المغامرة السياسية والعسكرية الكبيرة.

ما يعزز المحددات السابقة، أنّ المعادلة الداخلية الأردنية تبدو، اليوم، في حالة من الضعف والتفكك، وهنالك فجوة متنامية كبيرة في الثقة بين الحكومة والشارع. وكشفت الزوبعة الشعبية والإعلامية المثارة حول ما يسمى بـ"ذهب هرقلة"، أنّ مصداقية الدولة في الحضيض، كما يعترف مسؤولون أردنيون على مستوى رفيع. وإذا كان الأمر كذلك، فليس أمراً سهلاً، أو ممكناً، أن تفكّر الدولة باتخاذ قرار جدلي إشكالي حساس، بالدخول في الحرب البرية، في مثل هذه الظروف!

ثمّة مَن يرى في الأزمة الاقتصادية الخانقة سبباً يدفع "مطبخ القرار" إلى القبول بهذا الدور، في مقابل دعم مالي كبير وعريض للأردن، إلاّ أنّ ذلك ربما يأتي بنتائج عكسية لدى الرأي العام، خصوصاً إذا أتت المشاركة بعشرات، أو مئات، الصناديق التي تحوي جثث جنود أردنيين قتلوا على أيدي هذا التنظيم، فمثل هذا المشهد بمثابة كابوس، لأي صانع قرار!

  • اسم الكاتب: محمد أبو رمان
  • المصدر: العربي الجديد
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة