واشنطن تبيع الوهم لحلفائها في الملف السوري

04.تشرين2.2014

  أصدر البيت الأبيض خلال السنوات الماضية العديد من التصريحات التي تفيد بموافقة واشنطن على دعم المعارضة السورية المسلحة (الجيش الحر)، لكن شيئاً منها لم يتحقق فعلاً حتى الآن. بل على العكس، فقد كان الموقف الأميركي متشدداً في بداية الثورة السورية في متابعة أي عمليات تسليح نوعي تقوم/ أو قد تقوم بها بعض الدول لدعم المعارضة السورية. والحقيقة أن واشنطن كانت قد قامت مراراً -بالتعاون مع إسرائيل ودول أخرى- في إفشال وصول شحنات أسلحة إلى المعارضة السورية لاسيما خلال السنة الأولى والثانية للثورة السورية، وقد أرسلت الإدارة الأميركية مرات عديدة رسائل تتضمن تحذيرات وحتى تهديدات مباشرة لبعض الدول لتمنعها من القيام بتسليح الجيش الحر لاسيما عندما يتعلق الأمر بأسلحة من الممكن أن تمكّن هذه المعارضة من كسر تفوق النظام الجوي وتعمل على تغيير موازين القوى على الأرض لصالحها. وفي كل خطوة كان البيت الأبيض يتقرب فيها من إيران في المفاوضات النووية أو يتزايد فيها بطش النظام السوري تجاه المدنيين، كان أوباما يبيع حلفاءه في المنطقة بعض الوعود والكلام، ويجدد الحديث عن دعم المعارضة السورية المسلحة المعتدلة. بعد المجزرة الكيماوية في أغسطس 2013، سمعنا تأكيدا من البيت الأبيض على قرار تقديم دعم «غير قاتل» للمعارضة، تبيّن فيما بعد أنه عبارة عن مجموعة من الأحذية والخوذ وبعض مستلزمات الإسعاف الأولية وربما بعض وسائل الاتصال، وهي أدوات غير كافية حتى لمن يقوم برحلة صيد وليس مواجهة طائرات وصواريخ سكود وأسلحة كيماوية! ومع ذلك، فقد انتهى برنامج الدعم المزعوم هذا في ديسمبر 2013 بإغلاق الوحدة الأميركية المسؤولة عن تأمين وإيصال المساعدات للجيش الحر بسبب مشاكل في التمويل، علما أنّ المساعدات «غير القاتلة» التي أمنتها لم تتجاوز الـ15 مليون دولار فقط! في يونيو 2014، قرر أوباما طلب مبلغ 500 مليون دولار لدعم المعارضة المسلحة المعتدلة، لكن هذا المبلغ لم يصرف إلى الآن! ومع التحضير لانطلاق حملة «العزيمة الصلبة» ضد تنظيم الدولة «داعش»، عاد أوباما من جديد لاستخدام ورقة «دعم المعارضة المسلحة المعتدلة»، ووافق على برامج دعم وتسليح المعارضة المسلحة المعتدلة، وقامت عدّة دول عربية بالإضافة إلى تركيا بالتزام تنفيذ الدعم ضمن الخطة الأميركية. لكنّ الحقيقة أنّ خطوة أوباما هذه ليست سوى مناورة، فهو احتاج إلى تسويق هذا البرنامج مقابل الحصول على دعم هذه الدول للحملة من جهة، ولكي يبدو أنه يقوم بدعم المعارضة السورية في الوقت الذي يتغاضى فيه فعلاً عن نظام الأسد الذي تقوم الحملة العسكرية بتقويته عملياً على الأرض. وفيما يصرح البيت الأبيض بهذا الدعم للمعارضة المسلحة المعتدلة، يقوم موضوعيا بإفراغه من مضمونه. فعلى سبيل المثال، أنيطت مهمة بناء جيش جديد للثوار المعتدلين ضمن برنامج التدريب والتسليح الأميركي للجنرال «مايكل ناجاتا» مسؤول قيادة القوات الخاصة الأميركية، لكن البيت الأبيض لم يسمح له بالقيام بذلك عبر استغلال أو تجنيد الثوار المعتدلين الموجودين فعلياً على الأرض، مما يعني تقليص إمكانية نجاح مهمته واضطراره إلى البحث عن هؤلاء في مخيمات اللجوء في البلدان المجاورة. أكثر من ذلك، فإن برنامج التدريب والتسليح سيتضمن تدريب وتسليح 5 آلاف عنصر فقط كل سنة! (مع بقاء الفيتو على الأسلحة النوعية)، وهذا يعني أن بناء مجموعة من 15 ألف على سبيل المثال ستتطلب ثلاث سنوات، علما أن الأسد يستغل الحملة الحالية للتقدم على الأرض، ومن غير المعروف أصلا -في حال بقي الوضع على ما هو عليه الآن- إذا ما كان سيكون هناك معارضة في سوريا في ذلك الوقت أو حتى مناطق تابعة للمعارضة! وحتى إذا ما افترضنا نظريا أن التحالف نجح في تدريب وتسليح 15 ألف من هؤلاء في سنة واحدة، فإن الجنرال جون آلان منسق عمليات التحالف الدولي كان قد صرّح بشكل واضح أن «مهمّة هذه القوة لن تكون محاربة الأسد وإنما ستساعد على الوصول إلى حل سياسي»! وربما استخدامها فعليا ضد تنظيم «داعش» فقط على اعتبار أنّ الرئيس أوباما كان قد قال الشهر الماضي: إن الهدف من برنامج التدريب والتسليح هو «تقوية المعارضة لتكون أفضل موازن للتطرف»! الرئيس أوباما كان قد وعد سابقاً المعارضة السورية ومجموعة أصدقاء سوريا وحلفاءه في المنطقة بمزيد من الدعم للملف السوري لكنّه كان يفشل في كل مرّة في الإيفاء بوعوده لدرجة أن عدداً من المسؤولين الأميركيين باتوا يؤمنون تماماً بأنّ أوباما لا يريد حقيقة القيام بأي شيء لصالح المعارضة، وأن وعوده الحالية لن تؤدي إلى أي تغيير، فهي أشبه ببيع الوهم لحلفائه في المنطقة.

  • اسم الكاتب: علي حسين باكير
  • المصدر: العرب القطرية
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة