في صراعات غرب آسيا : الولايات المتحدة اللاعب الخاسر الاكبر

27.أيلول.2017

بات غـرب آسيا أكبر ملاعب الصراع بين كبار لاعبي العالم وصغاره، وبين آخرين ارتقوا بسرعة لافتة إلى مراتب إقليمية عالية. ملاعب الصراع منفصلة ومتصلة في آن. تمتّد من الشواطئ الشرقية للبحر الابيض المتوسط إلى الشواطئ الغربية لبحر قزوين، ومن الشواطئ الجنوبية للبحر الاسود إلى الشواطئ الشمالية لبحر العرب.

ملاعب الصراع في غرب آسيا مكتظة بلاعبين كثر اقليميين: عرب، وصهاينة، وترك، وكرد، وفرس. إلى هؤلاء، ثمة لاعبان كبيران دوليان: الولايات المتحدة وروسيا الإتحادية، يشاركهما أحياناً لاعب بريطاني وآخر فرنسي، ويراقب «المباريات» من بعيد لاعب دولي مقتدر: الصين.

لكلٍّ من هؤلاء اللاعبين «لعبته»، بمعنى قضيته الخاصة، لكنه يشارك الآخرين في ألعابهم وألاعيبهم. اولى القضايا هي قضية العرب المزمنة، بما هي صراع من اجل الإستقلال والحرية والوحدة والنهضة. غير انه، بتدخلاتِ كبار لاعبي اوروبا وامريكا، استطاع الصهاينة مشاركة سائر اللاعبين المباريات المحتدمة منذ النصف الاول للقرن العشرين.

في هذه «اللعبة» تحديداً، ازداد مع احتدام الصراع عدد اللاعبين الاقليميين من ترك وفرس. كما حاول لاعبون كرد التسلل إلى الملعبين العراقي والسوري لانتزاع ادوار لهم بغية تنظيم لعبتهم الخاصة.

اقوى اللاعبين واخطرهم واكثرهم خرقاً لقواعد الصراع هو اللاعب الامريكي، ذلك انه تمكّن بعد الحرب العالمية الثانية من ازاحة اللاعبين البريطاني والفرنسي وانتزاع الكثير من ادوارهما. اللافت انه كان دائماً داعماً ومناصراً لللاعب الصهيوني في كل المباريات التي جرت على ملاعب الصراع. كما انه استفاد من خروج اللاعب الروسي بضعَ سنوات، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لكن، بعودة اللاعب الروسي بكامل لياقته البدنية إلى ملاعب الصراع، انحسر دور اللاعب الامريكي بشكل ملحوظ وتبدّى ذلك في نتائج المباريات التي جرت، وما زالت تجري، من عام 2011 فصاعداً.

إذا ما ترجمنا هذه اللوحة الرمزية إلى وقائع سياسية وميدانية لخرجنا بصورة واقعية للوضع القائم في غرب آسيا على النحو الآتي:
أولى قضايا الصراع حاليّاً تلك المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران، ذلك أن واشنطن تستشعر، بقلق، تنامي قوة ايران، عسكرياً وسياسياً ، ما حملها تحت ضغط «اسرائيل» من جهة، والكونغرس من جهة اخرى، على التهويل بإلغاء الاتفاق النووي المعقود بين ايران ودول كبرى ست ومصادَق عليه في مجلس الامن، ظنّاً منها أن ذلك قد يُقنع ايران بالموافقة على تعديله. غير أن طهران رفضت التعديل وهددت بردٍّ حازم على واشنطن اذا ما قامت بإلغاء الاتفاق. الواقع أن جميع الدول الموقعة على الاتفاق ومعظم أطراف المجتمع الدولي تؤيده ما قد يؤدي إلى احد احتمالين: إبقاؤه على ما هو عليه، أو قيام الكونغرس الامريكي بتشديد العقوبات على ايران إرضاءً لـِ»اسرائيل». كلٌّ من هذين الاحتمالين يُضعف الولايات المتحدة ويصنّفها الخاسر الاكبر في الصراع.

ثانيةُ قضايا الصراع الحرب في سوريا وعليها، ذلك أن الولايات المتحدة، بالتواطؤ مع «اسرائيل»وبعض دول الخليج، قامت بدعم تنظيمات إرهابية ناشطة في العراق وسوريا بالمال والسلاح والرجال ما مكّنها من السيطرة، في بعض المراحل، على ثلثي مساحة العراق وأكثر من نصف مساحة سوريا. غير أن بقاء الجيش السوري متماسكاً واندفاع حزب الله إلى مساندته كما روسيا في مرحلة لاحقة، كسر هجمة الإرهابيين واخرج فصائلهم من معظم المناطق التي وقعت تحت سيطرتهم.

في العراق، أعيد تنظيم الجيش وجرى دعمه بفصائل «الحشد الشعبي» ما أدى إلى تحرير الموصل ومناطق اخرى واسعة كانت وقعت تحت سيطرة تنظيمات الإرهاب. هذه الهزيمة المدوّية للإرهاب تشكّل هزيمة للمشروع الامريكي- الصهيوني الهادف إلى تفكيك الدول العربية المحيطة بالكيان الصهيوني إلى جمهوريات موز قائمة على اساس قبلي او مذهبي او إثني. كما هي هزيمة لتركيا التي حاولت، في ظل اردوغان، إحياء هيمنة عثمانية ذاوية على المشرق العربي تحت راية الاخوان المسلمين الذين يوالون اقليمياً حزب العدالة والتنمية الاردوغاني.

ثالثةُ قضايا الصراع محاولة بعض قيادات الكرد استغلال انشغال دول الاقليم بحربها على الإرهاب، بغية إحياء مطلب الكرد التاريخي بإقامة دولة مستقلة تجمع شعوبهم في تركيا والعراق وسوريا وايران. اللافت أن الولايات المتحدة، بالتواطؤ مع «اسرائيل»، دعمت مباشرةً ومداورةً الكرد الانفصاليين في اطار مشروعها الرامي إلى تفكيك محيطها العربي إلى جمهوريات موزٍ هزيلة ومتناحرة. غير أن نهوض حكومتي سوريا والعراق، بالتعاون مع قوى المقاومة العربية المدعومة من ايران، إلى مواجهة الإرهاب التكفيري عطّل جهود الكرد الانفصاليين أو كاد وحمل تركيا على وقف دعمها لـِ»داعش» والتنسيق بجديّة اكثر مع كلٍ من روسيا وايران حليفتيّ سوريا في مواجهة الارهاب. مع ذلك فإن قضية الكرد الانفصاليين لم تنتهِ بعد لأن الولايات المتحدة و»اسرائيل» تثابران على دعم الكرد الانفصاليين في سوريا والعراق (وحتى في تركيا وايران) بغية تحويل غرب آسيا، على المدى الطويل، إلى موزاييك حيّ من الكيانات القبلية والمذهبية والإثنية المتمايزة والمتناحرة.

رابعةُ القضايا هي قضية فلسطين التاريخية التي فقدت مركزيتها في حياة العرب والمسلمين، جرّاء صراعات الاطراف الفلسطينية، من جهة ودعم الولايات المتحدة اللامتناهي لـِ»اسرائيل» وللقوى المحلية العربية المتعاونة معها من جهة اخرى. في هذا السياق، تحاول ادارة ترامب تدوير زوايا التباين بين «اسرائيل ومنظمة التحرير ( برئاسة محمود عباس) على نحوٍ يؤدي إلى «منح « الفلسطينيين «دولة» أشبه ما تكون بكانتون بلدي بحكم ذاتي منزوع السلاح ومرتبط بالاقتصاد الإسرائيلي، على أن يتمّ ذلك كله في إطار ترتيبٍ أوسع يقضي بمصالحة الدول العربية المحافظة مع «اسرائيل» وتطبيع العلاقات بينها وبين سائر الدول العربية الرافضة توقيع معاهدة سلام معها. لا أفق لمبادرة ادارة ترامب هذه، خصوصاً بعدما تمكّنت سوريا والعراق من تجاوز خطر الإرهاب الداعشي، وبالتالي مباشرة إرهاصٍ بنهوض عروبي جديد مقاوم للكيان الصهيوني وحلفائه.

خامسةُ القضايا هي قضية التخلف العربي الذي أنجب، من بين مواليد قميئة كثيرة، الإسلام السلفي المتطرف، الذي أنجب بدوره الإرهاب التكفيري المتوحش. غني عن البيان أن التخلف قضية مزمنة متعددة الجوانب ولا جدوى من مواجهتها إلا بحركة عروبية نهضوية، ثقافية واجتماعية وسياسية، تقودها طلائع مقاومة مدنية وميدانية بنَفَس طويل على مستوى القارة العربية برمتها.

هذا على المدى الطويل. أما على المدى القصير والمتوسط فلا بدّ من اضطلاع قوى المقاومة العربية الحيّة في كلٍّ من سوريا والعراق بمهمة إطلاق حركة سياسية نهضوية لبناء دولة «سوراقيا» المدنية الديمقراطية الاتحادية بغية النهوض بمهمتين تاريخيتين: مواجهة الكيان الصهيوني العنصري النووي، ومقاومة الإرهاب التكفيري المتحالف مع امريكا و»اسرائيل».
المقاومة هي المبتدأ والخبر.

  • اسم الكاتب: عصام نعمان
  • المصدر: القدس العربي
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة