معركة باب الهوى المسمار الأخير في نعش التوافقات

23.تموز.2017

يؤشر حصار النصرة لأحرار الشام في معبر باب الهوى الحدودي بين تركيا وسوريا لتحقق مآلات ثلاثة، الأول هو فشل كل محاولات التوفيق بين أجندات الجماعات السلفية المسلحة ومنافستها الإخوانية والمقربة من مشروعها.

فعلى مدى السنوات الماضية، شكلت عدة كيانات جمعت النصرة والأحرار في إطار عسكري واحد، وإن ظل فضفاضا أقرب لغرفة عمليات مشتركة دون اندماج حقيقي.

آخر هذه الكيانات هو «جيش فتح الشام»، التي آلت إلى التفكك لاحقا بسبب رفض التيار الاخواني في أحرار الشام المرتبط بالسياسات الرسمية للحكومات الداعمة، للتوحد مع جماعة الجولاني، رغم أن الأخيرة أعلنت تخليها عن الارتباط بـ»القاعدة» وهو ما كانت تطالب به الفصائل «المعتدلة» والأحرار كأحد شروط الاندماج، حينها انبثقت «تحرير الشام» التي كانت الخطوة التمهيدية لما حصل اليوم من صدام اخير. فانشاء «هيئة تحرير الشام» عنى في حينه ايضا انتهاء توافق اخر داخل «أحرار الشام» نفسها، بين تيار قريب من الإخوان وتركيا وقطر، أبرز رموزه اليوم المسؤول الخارجي للحركة لبيب النحاس، وبين تيار سلفي كان يسيطر على قيادة الحركة في بدايات نشأتها حتى مقتل الصف الاول في حادثة الاختناق الغامضة الشهيرة قبل نحو ثلاث سنوات، وبقيت منهم قيادات عسكرية، أبرزها الطحان وأبوجابر الشيخ القائد السابق للأحرار، فانشقت هذه القيادات السلفية مع الكتائب التي كانت موالية لها داخل الاحرار، وانضمت لـ»النصرة» ضمن مشروع «هيئة تحرير الشام»، الذي تقاسم القيادة فيه الجولاني وأبوجابر الشيخ، نفسه الذي كان يوما قائدا للاحرار قبل انشقاقه، ولكن الملاحظ هنا ان هذه التحالفات بين التيار السلفي في الاحرار والنصرة، كان قائما فعليا على الارض قبل هذا الاعلان الرسمي للاندماج، فمعظم المعارك الكبرى التي كانت تشترك فيها النصرة والاحرار معا، كان الشق المشارك فعليا من الاحرار هو نفسه المرتبط بتلك القيادات السلفية بالاحرار كابو جابر الشيخ وغيره الكثيرين، ولكن المصالح المتبادلة اقتضت حينها إطالة فترة التعايش بين الفصيلين دون اندماج، لان القيادة السياسية للاحرار غير المتحمسة للنهج السلفي والعلاقة مع النصرة، كانت مستفيدة من صيت الانتصارات العسكرية الكبيرة التي كانت تتحقق بمشاركة الاحرار، ولكن بفضل قوة النصرة والجناح السلفي للاحرار، وآخرها استعادة ادلب، والجناح السلفي استفاد كذلك من بقائه منضويا مع الاحرار ولو رسميا، من خلال الحصول على بعض الدعم الحكومي من تركيا والدول الداعمة الاخرى، الى ان احتدمت المسارات وتقاطعت الاجندات الدولية من خلال القرار الشهير، بضرورة فصل الجهاديين عن المعتدلين، وهنا تعذر التوفيق داخل الاحرار، ليختار الجناح السلفي بقيادة ابو جابر الشيخ الانضمام لمشروع النصرة.

وهكذا فان انقطاع اخر شعرة لمعاوية بين التيار السلفي والتيار الاخواني داخل الاحرار نفسها وبين النصرة والاحرار، جاءت على مراحل عدة، اخر تجلياتها ومظاهرها هو حصار باب الهوى. وهذا يقودنا للمآل الثاني، وهو تراجع نفوذ الفصائل المعارضة المرتبطة بتركيا والنظام الرسمي العربي والغربي الداعم لاقل مستوياته في مناطق المعارضة السورية، منذ انطلاق الثورة السورية، لصالح الجهاديين المتمردين على المنظومة الاقليمية، وهذا ايضا سيؤدي لتراجع وانحسار مشروع الفصائل المعتدلة وفكرتها القائلة بضرورة التحالف مع الغرب في سبيل بناء سوريا «وطنية» لا «اسلامية»، وهو الخطاب الادبي الذي اعتمدته «أحرار الشام» مؤخرا، ورفعت لاجله علم الثورة بدلا من راياتها الاسلامية، وخفضت من نبرة صوتها الاصولي من الحديث عن مشروع امة في بداياتها نحو الجهاد الشامي الاسلامي، وصولا لـ»الوطنية السورية»، فكل فصائل الجيش الحر وغيرها من الاسلامية المعتدلة، التي انخرطت في تبني هذه المقاربة بالتنسيق مع المنظومة الاقليمية، اتضح انها وعلى مدى السنوات الاخيرة، باتت عاجزة عن تحقيق اي تقدم عسكري، إلا من خلال انضوائها في صفوف كيانات اسلامية، كما حصل في تجمع «فتح الشام» اخيرا، أو من خلال دعم دولي تركي أو روسي، إذا تعلق الامر بقتالها للتنظيمات الجهادية، كما حصل من خلال درع الفرات.

ومع اعلان ترامب وقف دعمه للفصائل «المعتدلة»، باتت فكرة الاستعانة بالدول الغربية والحكومات العربية المرتبطة بها ممجوجة اكثر من اي وقت مضى، بعد ان عولت تلك الفصائل لسنوات مع جمهورها على المسار الدولي، ليكون ضياع حلب الشرقية ضربة قاصمة لها، خاصة أنها خالية من وجود تنظيم «الدولة الاسلامية»، وفي معظمها فصائل خاضعة لبرنامج الدعم الامريكي (تجمع فاستقم كما أمرت، وجيش المجاهدين، وأحرار سوريا وغيرهم)، ليظهر فشل التعويل على هذا الدعم الامريكي، وتكرر الامر في اجتماعات الاستانة، اذ تبدلت الامال الخلبية، من الدعم الامريكي إلى الطمع في انحياز روسي تركي للمعارضة ضد ايران، فوصلت هذه الفصائل لحد الترويج لجمهورها، بان روسيا ستقطع دابر التواجد الايراني وحزب الله في سوريا، واذا بروسيا تقنع الامريكيين بقطع الدعم عن هذه الفصائل، حسبما قالت «الواشنطن بوست» وحسبما يجري عمليا منذ اشهر.

المآل الثالث هو فشل فوضى الفصائل لصالح المشروع العقائدي المركزي، وإن بالتغلب كما يجادل بعض الاصوليين الجهاديين بضرورة توحيد الجماعات المسلحة بالقوة، كخيار نهائي لمواجهة اخفاقات الاغلبية السنية امام مشروع الاسد وايران، كعدو موحد الصفوف ومنتظم بقيادة رأسية تملك رابطة عقدية ايضا، نجحت في تحويل أقلية علوية لقوة متماسكة تدير مفاصل المؤسسة العسكرية والميليشيات المحلية المدعومة ايرانيا، في مواجهة فصائل معارضة فشلت في الاستفادة من مجتمع الاغلبية الثورية السني والدعم الاقليمي والدولي ، بسبب تفكك بنيتها وهزالة تكوينها على كل الاصعدة.

على الارض، فان هذا الصدام في باب الهوى بين «تحرير الشام» و»احرار الشام»، متوقع ان يفضي لسيطرة حاسمة لـ»تحرير الشام»، وإن من خلال فصائل مقربة منه تتولى ادارته كالزنكي، الذي اعلن انفكاكه من عقد التحالف مع هيئة «تحرير الشام» قبل ساعات، في خطوة تبدو مدبرة ومنسقة مع قيادة الهيئة في سبيل منح الزنكي شرعية كـ»وسيط توافقي محايد»، يمكنه استلام إدارة المعبر بعد إخراج «الأحرار»، ويكون مقبولا من قبل الطرف التركي، وان تمت هذه التسوية (سواء من خلال الزنكي او اي فصيل اخر خاضع عمليا لهيمنة تحرير الشام) يكون الجولاني قد ادار هذه المعركة بدهاء، واستخدم كل الاطراف لتحقيق مآربه في الهيمنة على احد اهم المعابر امنيا واقتصاديا، وأكمل إبعاد كل الفصائل المناوئة لمشروعه، ابتداء من جمال معروف لحركة حزم وصولا للاحرار، وان كان المستقبل لا يوحي بأن هذه الجماعة التي يقودها الجولاني سيختلف مصيرها عن ما يحصل لتنظيمها الشقيق في الرقة وقريبا دير الزور .

  • اسم الكاتب: وائل عصام
  • المصدر: القدس العربي
  • رابط المصدر: اضغط هنا

الأكثر قراءة