خطورة "المرحلة" في ثنايا الاقتتال الداخلي

25.كانون2.2017

مما لاشك فيه أن الثورة السورية التي خرجت ضد الظلم والاستبداد في 2011 تسير بمشيئة الله وبمعجزة إلهية كبيرة، حيث انها صمدت رغم كل الخطوب والمؤامرات والتحالفات التي حيكت ضدها طوال السنوات الستة الماضية، قدم فيها الشعب السوري الألاف من الشهداء والملايين من المشردين، وسط استمرار القتل وشلالات الدماء على كامل تراب المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد.


بدأت الثورة كحراك سلمي تطور سريعاً للمسلح بهدف وقف تسلط القبضة الأمنية على الشعب والدفاع عنه بكل الوسائل المتاحة، فكانت البذور الأولى للحراك بتشكيل حركة الضباط الأحرار والجيش السوري الحر، تلاها ظهور تشكيلات وحركات متعددة الأسماء والرايات والأهداف، رفعت شعارات مختلفة، وكلها تهدف لإسقاط نظام الأسد، على تنوع منهاجها.


ومع تطور الحراك المسلح وتوسع الحركات لفصائل تضم ألوية وجيوش وجبهات وفيالق، بدأت الأمور تأخذ منحى جديد في الثورة وتزداد تعقيداً مع تنوع الأفكار وبدأ التعصب للفصيل وللجماعة على حساب الثورة والشعب، فكل يدعي أحقيته في الوجود والسيطرة، وصحة منهجه، تلتها موجات الطعن بالمناهج الأخرى وبدأت فتاوى التكفير والردة تتردد، فنشبت الحرب بين هذه المكونات والفصائل وبات الأسد يتفرج.


فكانت أولى الحروب بين الجيش الحر وتنظيم الدولة وبين التنظيم والفصائل الإسلامية في ريفي دير الزور والحسكة والرقة وامتدت إلى حلب وإدلب وحماة واللاذقية وريف دمشق ودرعا، فانحسر التنظيم من عدة محافظات بينما سيطر بشكل كامل على مناطق واسعة في محافظات الرقة والحسكة ودير الزور وامتد إلى حلب وريف حماة الشرقي وريف دمشق ودرعا.


وعلى الرغم من تشارك الجميع في قتال التنظيم واتفاقهم على "ردته" إلا أن الشقاق والاقتتال بين الفصائل لم يتوقف فعاد في أواخر عام 2014 بين "جبهة النصرة" والجيش الحر، وتمكنت النصرة بمساعدة علنية لجند الأقصى وسرية من عدة فصائل من انهاء جبهة ثوار سوريا وحركة حزم وعدة مكونات في الشمال، تلاه انتهاء عدة مكونات حوربت بتهم جديدة غير الغلو والردة، كالعمالة والتخطيط لضرب الفصائل الإسلامية وغرها، فحوربت الفرقة 13 في إدلب وشبت حرب بين الفصائل في الغوطة الشرقية بين جيش الإسلام وفيلق الرحمن، أيضاً في درعا والاقتتال المستمر بين الثوار ولواء شهداء اليرموك وحركة المثنى، وجند الأقصى وأحرار الشام وليس آخرها بين فتح الشام وجيش المجاهدين و والاحتقان المستمر بين عدة فصائل في الشمال السوري.


ولو خضنا في نتائج الاقتتال في كل مرة لوجدنا خسائر باهظة للثوار في كل مرة دون أن تعوض حتى اليوم، فدرعا جمدت جبهاتها مع نظام الأسد وباتت تحارب الغلو، وريف دمشق خسرت أرضها الزراعية والمئات من الدنمات والمناطق والقرى، كما استفرد نظام الأسد بداريا وحلب وريف اللاذقية، وعشرات المناطق في ريف دمشق الغربي وحمص، وأخيراً في حماة، وبدأت مرحلة التهجير للشمال تتسارع مفرغاً جميع المناطق التي يخشى على سلطته فيها من أي سلاح أو ثوار، كما فرغت داريا رأس الحربة في خاصرة النظام بدمشق، ويتم العمل على حصار باقي المناطق وإجبارها على التسليم أو الاستمرار بالتجويع والحصار.


هذه النتائج السلبية للاقتتال الداخلي تحت أي بند كانت مخططة ومتوقعة لدى نظام الأسد وروسيا واللذين أعلنا صراحة أن إدلب وبعد تجمع كل هذه القوى فيها ستكون ملاذاَ لحرب طويلة بين الفصائل، تساهم في إنهاء بعضها البعض، وبعد أن يضعف الجميع يأتي دورها للتقدم والسيطرة الكاملة، وإنهاء آخر بقعة جغرافية فيها قوة للثورة السورية.


ولطالما نادى الجميع بضرورة الوعي العميق بخطورة المرحلة الراهنة، وضرورة إيجاد مظلة عسكرية وقضائية متفق عليها، تتولى فض النزاعات ومحاسبة المعتدين بأقل الخسائر الممكنة، لتجنب الساحة المزيد من الدماء والخسائر على الأرض من جميع النواحي، إلا أن الفصائل مازالت تواصل اقتراف المزيد من الاقتتال والخصومات، وإنهاء مكونات جديدة والسيطرة على مقراتها ومستودعاتها، يدفعها لذلك مبررات باهتة وغير واضحة، ستوصل الساحة لإنهاء غالبية مكوناتها العسكرية بالقوة بعد فشل كل طروحات الاندماج بينها، وظهور تيار أو اثنين يتشاركان في السيطرة، وربما يصلان لمرحلة الصدام في حال اختلافهما، وهذا ما سيجلب الويلات للمنطقة، ويقدمها على طابق من ذهب لأعدائها المتربصين بها، وستكون النهاية السقوط لا محال.

  • اسم الكاتب: أحمد نور
  • المصدر: شبكة شام

الأكثر قراءة