خالد بن الوليد.. رجل دمشق الذي لا ينام
خالد بن الوليد.. رجل دمشق الذي لا ينام
● مقالات رأي ١٠ سبتمبر ٢٠١٨

خالد بن الوليد.. رجل دمشق الذي لا ينام

الخامس من سبتمبر سنة ٦٣٥م كان يوما فارقا في تاريخ الإسلام وتاريخ الشام تحديدا، كان صاحبنا يتحرك في هذا اليوم دون تعب أو ملل في كل الاتجاهات يبحث عن ثغرة تمكنه من النصر وفتح درة الشام وتاجها، لم يكن ينام ولا يسمح لأحد بالنوم حتى يجد الثغرة ويبتكر الوسيلة ويحقق الغاية. ولأن النفوس العظيمة والهمم العالية تعرف طريقها جيدا، فقد تحقق له ما أراد بعون الله، ووجد الثغرة التي ينتظرها، والعجيب أن هذه الثغرة التي كانت السبب في النصر على الأعداء وقتها هي نفسها ثغرتنا التي نؤتى من قبلها اليوم من نفس العدو!

كان بطلنا خالد بن الوليد يحاصر دمشق من بابها الشرقي بعد أن استعصى على جيوش المسلمين فتحها فأضرموا الحصار حولها حتى يستسلم جيش الروم المرابط داخلها بقيادة توماس زوج ابنة الإمبراطور هرقل، والذي رفض الاستسلام للجيش الإسلامي معتمدا على تحصينات المدينة العالية والقوية والتي يصعب اختراقها ومنتظرا التعزيزات التي سيبعثها إليه إمبراطور الروم من حمص لتحاصر جيش المسلمين من الخلف ويقع الجيش الإسلامي في مصيدة الروم من الأمام برماة الرومان المتحصنين بالمدينة وأسوارها الشاهقة ومن الخلف بالجيش القادم من حمص.

وفهم سيدنا أبو عبيدة بن الجرّاح قائد الجيش الخطة التي يحيكها الروم فأمر بتحريك لواءات من الجيش لانتظار التعزيزات الرومية القادمة من حمص بعيدا عن دمشق وأسوارها، وفعلا وقعت معركة كبيرة بين الطرفين انتهت بانتصار المسلمين وتراجع الجيش الروماني أو من تبقى منه إلى حمص مرة أخرى. لكنّ دمشق لا تزال مستعصية على الفتح الإسلامي، ولا يزال قائدها تومس يناوش المسلين المحاصرين للمدينة بين الحين والآخر بالسهام والنبال ويخرج مع فرسانه مرة تلو الأخرى من أبواب دمشق ليشتبك مع الجيش الإسلامي وتقع معارك طويلة بينهما ينتصر فيها المسلمون ويعود الجيش الروماني أدراجه إلى داخل المدينة ويغلق أبوابها من جديد في وجه الجيش المسلم.

لكن خالد لا يهدئ ولا ينام وجعل عيونه ورجاله يستطلعون ما يحدث داخل المدينة يجمع منهم المعلومات ويحللها ويحدد بناءا عليها التوقيت المناسب للهجوم واختراق تحصينات المدينة، حتى جاءته المعلومة المنتظرة والثغرة التي يؤتي الجميع من قبلها "الغفلة واللهو" بلغه أن حامية دمشق مشغولة في حفل عند بطريرك المدينة الذي رزق بمولود جديد؛ فدعا الجميع إلى الاحتفال بتلك المناسبة، فأفرطوا في الشراب والسكر والعربدة وتخلى كثير منهم عن مواقعهم على الأسوار.

الإيمان المستعلي والحماسة المتقدة والتضحية بكل شيء في سبيل الله، هو وحده عربون النصر وحافظ بنيان هذه الأمة، فكم فينا من رجل لا ينام ولا ينيّم حتّى نعلي كلمة الحق والدين؟

وهنا اقتنص بطلنا الفرصة التي استعد لها من قبل فجهز السلالم والحبال وارتقى ورجاله إلى أعلى الأسوار في ظلمة الليل البهيم حتى نجحوا في الدخول الى المدينة بعد تسلق اسوارها وفتحوا باباها وارتفعت التكبيرات تشق سكون الليل وتبعث الحماسة في الجيش المسلم من جديد فينقض على المدينة ويشتبك مع حاميتها الغافلة اللاهية عن مهامها ويحقق النصر عليها وتفتح دمشق عروس الشام وتاجها في الخامس من سبتمبر سنة ٦٣٥م الموافق 16 من رجب 14 هـ.

دمشق التي يسكنها الآن جزّار سوريا بشّار الأسد وتعيث فيها ميليشيات الشيعة فسادا ومحوا لمعالمها الحضارية وتاريخها العريق ويتحول حاميها الى عبد ذليل لدى الرومان الجدد من الروس وغيرهم، هي خير شاهد على أن الثغرة التي فتحتها هي ذاتها الثغرة التي أسقطتها وجعلتها مرتع ومسكن للشيطان وأبالسة البشر.

دروس فتح دمشق لا تتوقف على هذه الثغرة التي أوتينا من قبلها، فسيدنا أبو عبيدة بن الجرّاح في بداية الفتح واجهته مقاومة شرسة من جيوش الروم قبل أن يصل إلى دمشق رغم أن السادة عكرمة بن أبي جهل ويزيد بن معاوية وعمرو بن العاص كانوا على رؤوس جيوشهم كذلك واختاروا أبو عبيدة أمير للجيوش الأربعة مجتمعة، ولمّا لم تكن القيادة والزعامة مطلب لذاتها فإن أبو عبيدة بعث في طلب خالد بن الوليد من العراق ليقود هو الجيوش ويحققون معه النصر.

وجاء خالد واستقر بجنوده على ضفة اليرموك نحو شهر ولم يتعرض لهم الرومان، لكن سيدنا أبوبكر رضي الله عنه انتقل إلى جوار ربه وجاء الفاروق عمر فكان أوّل ما أمر به هو عزل خالد وتعيين أبو عبيدة قائدا للجيوش مخافة أن يفتتن الناس بخالد بعد أن شاعت انتصاراته وبطولاته على ألسنة الناس. لكنّ أبو عبيدة حين جاءه خبر عزل خالد كتمه حتى لا يتسبب في ارتباك القيادة مع اقترابهم من معركة كبيرة وهي اليرموك والتي حقق فيها الجيش انتصارا عظيما على الروم، وحينما علم خالد بنبأ عزله لم يتأثّر أو يغضب فهو سيف الله المسلول وفارس من فرسان الحق لا يهمه أين موقعه مادام يعمل في سبيل رفع راية الإسلام ومادامت الشهادة لا المنصب غايته، واستمر الجيش بالتحرك مواجها الرومان في أكثر من موقعه حتّى وصلوا إلى ما بدئنا به قصتنا وهو حصار دمشق وفتحها على يد هذه الثلّة المؤمنة التي اختارت أن تعيش لدينها وأمّتها لا لنفسها وعالمها الخاص.

كانوا يحققون الانتصارات ويقوّضون الحصون بإيمان تشربت به قلوبهم، وتجرّد عمرت به أفئدتهم وقوة في الحق لا تلين ولا تستكين. إنّ هذه السمات هي أكثر ما نحتاجها اليوم لتحرير دمشق وسوريا وكل بلاد الإسلام من الرومان الجدد وأذنابهم، إنّ هذا الإيمان المستعلي والحماسة المتقدة والتضحية بكل شيء في سبيل الله، هو وحده عربون النصر وحافظ بنيان هذه الأمة، فكم فينا من رجل لا ينام ولا ينيّم حتّى نعلي كلمة الحق والدين؟

المصدر: مدونات الجزيرة الكاتب: ممدوح المنير
مشاركة: 

اقرأ أيضاً:

ـــــــ ــ