التراث الثقافي السوري: مرآة النفاق الغربي

17.أيار.2014

يكثر الحديث في الدوائر السياسية والثقافية في الغرب عن المخاطر التي تتهدد التراث الثقافي الإنساني في سورية. فمقاطع الفيديو التي شقت طريقها إلى شاشات التلفزة العالمية والتي تظهر دكّ القلاع الأثرية بالمدفعية, وتجوال الدبابات بين الأعمدة الرومانية لامست مشاعر كثيرٍ من الناس حول العالم. ولكن, أية مشاعر؟
هناك من الشخصيات الأكاديمية في الغرب من لا يتردد بالتصريح أنه قلق على التراث المسيحي في سورية, وخصوصاً قلعة الفرسان الصليبيين (قلعة الحصن), فهم من هذه الزاوية ينظرون لما هو تراث ثقافي في سورية.
وهناك من يذهب أبعد من ذلك, فيبحث في هموم التراث الثقافي السوري ليظهر حقداً دفيناً يبرّر من خلاله تردد دول العالم في التدخل لوقف المذبحة التي تحصل في البلاد.
فأحد الشخصيات السياسية المرموقة في الولايات المتحدة انبرى للحديث مؤخراً عما يراه تدمير ممنهج من قبل البعض للآثار البيزنطية في سورية لأسباب يسميها هو أيديولوجية ! ويعتقد الرجل أن هناك في المناطق المحررة اليوم من يأتون إلى بقايا كنيسة أو دير ليسيؤون إليه, أو يخرّبونه من باب التشدد الديني ليس إلا.
وامتد النفاق بالبعض ليزاود على المسلمين ويتباكى على الأضرحة الصوفية التي يدمرها السلفيون المتشددون, منطلقين من ذات الدوافع الأيديولوجية – طبعاً دون أن تكون لديهم سابقة واحدة أو دليل عما يتكلمون عنه.
وقد أثيرت مؤخراً في إحدى الصحف الأميركية مسألة اللاجئين السوريين الذين التجؤوا للحواضر البيزنطية القديمة في جبل الزاوية, والمعروفة بالغرب ب (المدن الميتة). فقد كتب صحفي في مقالٍ له هناك محذراً من الأضرار التي قد تلحق بهذه الحواضر القديمة بسبب لجوء الأهالي إليها. واستفاض الرجل في مخاوفه حتى شعرت أني سأقرأ بعد قليل دعوة لتحرير هذا التراث البيزنطي المسيحي من أولئك البرابرة الذين يعيثون فيه فساداً (أي اللاجئين). فالكاتب لم ينس حتى الكهوف والجيوب الصخرية ... حسد أهالي سورية على السكن في الكهوف ! لماذا؟ لأنها برأيه مدافن رومانية وبيزنطية ويجب عدم طمس هويتها.
أما السياسيين فهم قلقون من أن عمليات نهب المواقع الأثرية قد أفضت لاستفحال تجارة التحف في السوق السوداء. وبما أن تسعين بالمائة من المواقع الأثرية السورية تقع تحت سيطرة المعارضة الآن, فهم خائفون من أن سوق الآثار قد يسهم في تمويل الإرهاب في سورية. وطبعاً هم لا يقصدون إرهاب النظام.
ولكن هناك من السياسيين في الغرب منهم أكثر حيادية, ويحاولون تقليب مسألة التراث الثقافي السوري لإلقاء حجرٍ في البركة الراكدة للأزمة السورية, وذلك من خلال لفت أنظار العالم إلى معاناة الشعب السوري من خلال تحريك مشاعر الناس بخصوص التراث الإنساني السوري الذي لا يخصّ سورية بمفردها, وإنما الإنسانية جمعاء.
أما الصوت الوحيد الذي سمعته في الغرب وكان له صدى طيب في قلبي فهو حديث الدكتور جان موريه, وهو أكاديمي ودبلوماسي سابق. فالرجل عبّر بشكلٍ رائع عن تيارٍ محدودٍ جدا من أنصار التراث الإنساني الحقيقيين في الغرب, والذين ما تزال بهم بقية من ضمير كي يزنوا الأمور بميزانٍ عادل ليقولوا للناس أن هذا التراث الثقافي الإنساني مهم لأنه (إنساني) ويمتّ للإنسان بصلة.
يروي موريه لأصدقائه ومحاوريه القصة التالية كلّما أثير موضوع التراث الثقافي الإنساني السوري:
(قبل خمس سنين كنت في جولةٍ سياحيةٍ في سورية. وزرت فيما زرت مدينة البارة الجميلة في حضن جبل الزاوية. هناك على الطريق مررت بقرويين يقطفون الكرز في الكروم المنتشرة على سفوح الجبل في مشهدٍ بديع. اقتربت من الفلاحين وطلبت منهم التقاط الصور التذكارية معهم فكانوا قمة في البساطة والكرم والعفوية. تصوروا معي وقدموا لي سلّة مليئة بالكرز, وعندما سألتهم كم سأدفع, ضحكوا كثيراً وأفهمني أحدهم بصعوبة أن هذا السلوك (عيب) في قاموس الضيافة السوري.)
عقّب موريه على قصته قائلاً:
(هل تريدون أن تقولوا لي أن الأعمدة الرومانية المكسورة, والأحجار البيزنطية المبعثرة أهم من حياة هؤلاء الناس ؟؟؟ !!! )

  • اسم الكاتب: مصعب حمادي
  • المصدر: سورية الحرة
  • رابط المصدر: اضغط هنا