في سهل الغاب عبيدٌ وأحرار على ضفتي العاصي

16.أيار.2014

في سهل الغاب عبيدٌ وأحرار على ضفتي العاصي


هناك نمطين مختلفين جداً للحياة على ضفتي العاصي الغربية والشرقية في سهل الغاب بريف حماه.
تنظر للضفة الغربية فترى ماضي سوريا الأسود من خلال طيف الحكم الأسدي الذي ما يزال يظلل الأهالي هناك. في تلك القرى والبلدات ستجد سوريين من لونٍ واحدٍ فقط, أبناؤهم يجندون كالقطعان في عصابات الشبيحة ليتوجهوا لقتل أبناء بلدهم على امتداد التراب السوري.

الحياة على الضفة الغربية لم تتغير. فبالنسبة لهذه الشريحة التي أصبحت رهينة جرائم النظام فهي لم ترث من عائلة الأسد إلا الفقر والحرمان, والعزلة عن العالم الخارجي. والمقربون المقربون هم من كانوا يحصلون على فرصةٍ للتطوع في الجيش أو المخابرات.
واليوم, وعلى نفس المنوال لا يجد الأهالي هناك من خيارٍ إلا إرسال أبناءهم إلى فرق الموت التشبيحية كي يفوزون برغيف الخبز, وسط الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد.
هذه هي بصمات وعطاءات الحكم الطائفي الأسدي الذي ما يزال مستمراً على الضفة الغربية لنهر العاصي.
ومن مميزات الحياة على هذه الضفة هذه الأيام تمدد عصا التأديب, وعلو سيف التخوين, ونمو الراديكالية والتعصب الأعمى على حساب الانتماء الوطني, وذلك لضمان عدم حصول أي تغيير في موقف الأهالي هناك حيال ما يحصل في بلدهم وليبقوا رهينة النظام في عربدته وجرائمه.
ولذلك تجد الجماهير هناك تنقاد وراء قادتهم الدينيين والعسكريين كالعبيد, ليس لهم رأي, ولا قوام.
إنهم ما يزالون ينتمون لسوريا الأسد, سوريا الطائفة, وليس سوريا الوطن التي تبنى على الضفة الأخرى.
فعلى الضفة الشرقية لنهر العاصي تتلقاك سوريا المستقبل, التي وإن كانت تعاني ما تعانيه من قصفٍ وموتٍ ودمار, إلا أنها ولأول مرة منذ خمسين سنة تضم بين جنباتها سوريين أحرار, رؤوسهم مرفوعة, وآراؤهم حرة. كرامتهم لا يساومون عليها, وحريتهم أصبحت بين أيديهم. منهم من يقاتل بالسلاح, ومنهم من انطلق لبناء مجتمع مدني. وإذا كان الأهالي في الضفة الغربية ينتمون للونٍ واحد, فإن الضفة الشرقية تحفل بكل الأطياف والألوان ثقافياً واجتماعياً وسياسياً.
ولضيق المجال هنا سأتناول جانباً واحداً من الحياة الثقافية على الضفة الشرقية لنهر العاصي في سهل الغاب.
سوف أحاول تقديم شرحٍ بسيطٍ عن مجلتين تصدران في تلك القرى البسيطة تعبران بمضمونهما عن حرية التعبير في أروع مظاهرها, وبما يدعوا للأمل والتفاؤل بما ستكون عليه بلادنا بعد إزاحة الطاغية.
هاتين المجلتين هما: (مجلة النور) و(مجلة الديمقراطية).
يصدر (مجلة النور) شاب سلفي متحمس اسمه (أبو حنيفة) يرمي لنشر القيم الدينية بين الناس, ويتميز بشخصيته القوية ومقدرته على النقد. فالويل والثبور لأيٍّ كان في الثورة – حتى وإن كان ضابطاً كبيراً في الجيش الحر – إن أخطأ ووقع تحت رحمة قلم أبي حنيفة.
يأخذ أبو حنيفة على عاتقه مهمة الدفاع عن المدنيين أمام تجاوزات الكتائب المسلحة واللجان الأمنية في حال وقوعها. ولكن هجوميته الزائدة تجعل مجلته غير مرغوبة تماماً عند كل الناس. فأبو حنيفة لا ينتقد (مجلة الديمقراطية) كمجلةٍ منافسةٍ فحسب, بل يستند لأدلته الدينية والشرعية ليقول بأن الديمقراطية بحدّ ذاتها كفر.
من دون تصادمٍ أو حساسية, وبروحٍ رائعة من السجال الحر, يرد أصحاب (مجلة الديمقراطية) الصاع صاعين لأبي حنيفة.
يركز محررو المجلة بالأصل على تعزيز قيم الديمقراطية والحريات والمجتمع المدني بين الناس. فهم أقل هجومية بكثير من أبي حنيفة, وينتمي معظمهم لخلفياتٍ أكاديمية كونهم خريجين وطلاب جامعيين.
يعتبر أصحاب (مجلة الديمقراطية) مجلة أبي حنيفة مجرد كتيّب ديني أكثر منها مجلة, وينتقدون ديكتاتورية أبي حنيفة كونه المحرر الوحيد في المجلة, وإن تحت أسماءٍ مختلفة.

والمزاج العام في هذه المنطقة من سهل الغاب يميل لقراءة مجلة الديمقراطية, بينما يستهزأ عدد لا بأس به من الأهالي بمجلة أبي حنيفة فيسمونها (مجلة النَوَر) لا (النُور) ليرتد سحر النقد على الساحر, حيث يضحك أبو حنيفة كلما همز أحدهم بهذه التسمية معبراً عن تفهّمٍ وتعايشٍ نحن في أمسّ الحاجة إليه في سوريا المستقبل.
حقاً تشعر وأنت تتنقل بين القرى الشرقية لسهل الغاب بالحرية – تتنفسها من أعماق قلبك, وترى في عيون الناس كم هم سادة, وكرام وأحرار. بينما كلما أطلقت نظرك بعيداً غرب نهر العاصي لا تملك إلا أن تشعر بالشفقة على إخوةٍ لك ما يزالون يرزحون تحت نير العصبية والعبودية.

  • اسم الكاتب: مصعب حمادي
  • المصدر: سورية الحرة
  • رابط المصدر: اضغط هنا