لماذا يحتضر الجيش الحر في الشمال ويتمدد في جنوب سوريا ؟

09.تشرين2.2014

سيطرت كتائب الجيش السوري الحر في درعا يوم أمس على القسم الغربي من مدينة الشيخ مسكين لتقطع طرق إمداد مهمة للنظام بين مدينتي إزرع ونوى وتصبح على بعد حاجز واحد فقط عن أوتوستراد دمشق – درعا الذي سيشكل قطع الثوار له ضربة مؤلمة للنظام وخلخلة كبيرة في دفاعات العاصمة.
وكانت تقارير أميركية تحدثت مؤخراً عن موقف حرج يواجهه النظام السوري في جنوب البلاد إثر الانتصارات الكبيرة التي حققها الجيش السوري الحر في محافظتي درعا والقنيطرة وخصوصاً السيطرة على التلال الإستراتيجية الشهيرة كتل الحارة وتل الجموع وغيرها, وتحرير عدد كبير من البلدات والقرى, وهي انتصارات قلبت موازين القوى في جنوب سوريا, وأدت إلى فقدان النظام لذلك الزخم العسكري الكبير الذي طالما تمتع به حول العاصمة دمشق.

تأتي انتصارات الجيش السوري الحر في الجنوب, وهذا التقدم الذي يبدو أنه لا يوقفه شيء أمام تراجع وانحسار فصائل الجيش السوري الحر في شمال سوريا وخسارتها للبلدات والقرى لصالح تنظيم القاعدة في بلاد الشام, متمثلاً بجبهة النصرة وتنظيم جند الأقصى, وبالتواطؤ مع حركة أحرار الشام الإسلامية.

يستغرب المراقبون للشأن السوري هذا التباين في أداء فصائل الجيش السوري الحر بين الشمال والجنوب, ويسرع الكثير من المحللين لتبني نظرية أن الجنوب حالة استثنائية مضبوطة بدقة من قبل المخابرات الأردنية والأميركية بسبب خصوصية المنطقة هناك, ووجود إسرائيل على مقربةٍ من الحدود, واحتمال تأثرها وتأثر الأردن بأي منعكسات سلبية قد تقع على الجيش الحر, وخصوصاً في حال سيطرت التنظيمات المتطرفة.

وهذه الفرضية بقدر ما تبدو منطقية ومقبولة ومن الصعب معارضتها, إلا أنها وفي نفس الوقت لا تنفي وجود عوامل ذاتية مهمة في الشمال والجنوب على حد السواء هي التي أدت إلى هذا التباين الكبير في الأداء والانضباط واحتمالات النجاح العسكري للجيش الحر في شمال وجنوب سوريا.

ففي حين تبدو فصائل الجيش السوري الحر في الشمال السوري مزيج متنافر من الضباط المحترمين, وقطاع الطرق, وتجار المخدرات, والقادة الثوريين المحبوبين لدى الناس, والنكرات الذين ظهروا فجأةً على مسرح الأحداث, يتبدى عناصر الجيش الحر في الجنوب بصورة مفرزات مقبولة عن تركيبةٍ اجتماعية راسخة وعريقة لها هرميتها وآليات الصعود الخاصة بها, وخصوصاً في منطقة حوران حيث تنتشر العوائل الكبرى التي تتقاسم النفوذ المجتمعي ويضبط سلوك أفرادها وجهاء لهم كلمة مسموعة عند الجميع مهما تفاوتت مراكزهم في الحياة العامة.

كما أن اتساع المساحة الجغرافية التي يشغلها الجيش الحر في حلب وحماه وإدلب, وانفتاحه على خط حدودي طويل مع تركيا يجعل من مسألة السيطرة والتحكم أمراً عسيراً, كما يرى المحلل العسكري عبدالناصر العايد, هذا بالإضافة إلى وفرة الموارد التي يوفرها الشريط الحدودي الطويل وازدهار ظاهرة التهريب, ما ساعد في تضخيم الثروات عند البعض واستتباب نشوات السيطرة والإمارة عند كثيرٍ من المجموعات والقادة الذين أصبح لبعضهم استثمارات وأموال وصاروا يعملون على قيادة مجموعاتهم بالروموت كونترول بينما هم يقيمون في الأراضي التركية.

على الجانب الآخر, تجتمع معظم فصائل الجيش الحر في جنوب سوريا تحت مظلة الجبهة الجنوبية التي تضم حوالي 30000 مقاتل, وتشكل قيادة حقيقية تجمع شتات الفصائل المختلفة, وتجعلها على كلمةٍ واحدةٍ, سواء في قتال النظام أم في مواجهة الإشكاليات التي قد تحصل مع الفصائل المتطرفة, كجبهة النصرة, ما يساهم بغلق الباب أمام أي مواجهة حقيقية, مادامت القوى المتطرفة متحجّمة ومنضبطة ضمن حدودها أمام هذا التماسك والتلاحم بين فصائل الجيش الحر.

ومع أن جبهة ثوار سوريا تهاوت في شمال سوريا بسرعة أمام ضربات جبهة النصرة, إلا أن هذه الجبهة ما تزال القوام الأكبر في جسم الجيش السوري الحر في الجنوب. وإذا كان جمال معروف قائد الجبهة قد اضطر لمغادرة قريته مدحوراً أمام فصائل النصرة وجند الأقصى وأحرار الشام وسط شماتة أعدائه وحساده, إلا أن هذا الحال لا يمكن أن يقع لمتبوعيه في جنوب سوريا. ففي الجنوب تسود روح المودة والتكافل والعمل المشترك بين قادة المجموعات, بحيث لو حصل إشكال مع أي فصيل من الجيش الحر, وجدت القادة على قلب رجلٍ واحدٍ يدافعون عن بعضهم البعض, بحكم الارتباطات الاجتماعية, وارتفاع مستوى الوعي والتحصيل العلمي عندهم, على خلاف ما حصل مع جمال معروف حيث ائتمر عليه – كما قال مقربون – رفاقه, وتواطأت بعض الفصائل مع جبهة النصرة للقضاء عليه, ومن بينها حتى فصائل تتلقى دعماً أمريكياً.

وفي الوقت الذي تجد فيه جبهة النصرة والمجموعات المتطرفة مرتعاً خصباً لها في شمال سوريا, فإنها واجهت صعوبات كبيرة في الانتشار بالجنوب. فداعش مثلاً ليس له حضور بالمطلق, أما النصرة فبالكاد تستطيع تمسك 3000 مقاتل هناك لولا بلاءهم الجيد بالقتال مع الجيش الحر لما سمح لهم الأهالي بالبقاء أصلاً. ففي حوران تكثر نسبة المثقفين وحاملي الشهادات العليا, وخصوصاً في الشريعة والدراسات الإسلامية, على عكس الشمال حيث ترتكز النصرة وغيرها على سواد من العوام محدودي الثقافة, وتركن إلى بيئةٍ ينخفض فيها التحصيل العلمي ويكثر الجهل وتضرب العزلة بقرويين تجعلهم على استعداد للافتتان بأي وافدٍ غريب ينجح في إقناعهم – كالبائع المتجول –  بما يحمل من بضاعة.

  • اسم الكاتب: مصعب حمادي
  • المصدر: كلنا شركاء
  • رابط المصدر: اضغط هنا