ليس بالكيماوي وحده يقتل السوريون

10.أيلول.2014

في لقاء حواري في مدينة كولن حول الشأن السوري أتيح لي فرصة التحدث عن معاناة الإنسان السوري. حيث قمت بتوصيف حاله في مناطق النظام وخارجها وفي المنفى. محتوى هذه المحاضرة تم ترجمته إلى العربية في هذا المقال.

أفلحت الضغوط الأمريكية على النظام السوري وحلفاءه في شهر آب من العام المنصرم في الوصول إلى إتفاقية معهم تقضي بتدمير المخزون السوري من الأسلحة الكيماوية, وتقضي أيضا بتفكيك القدرات التي تسمح للنظام السوري بإعادة إنتاج هذا النوع من الأسلحة.

اليوم بعد حوالي ثمانية أشهر من هذا الإتفاق أكّدت البعثة المشتركة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في سورية أن إجمالي المواد الكيميائية المزالة والمدمّرة في سورية بلغ أكثر من 92.5% (تاريخ ٣٠ نيسان ٢٠١٤). رغم تقدم عملية تدمير الأسلحة الكيمايئية بإستمرار حسب ما يتم الإعلان عنه, إلا أن نسبة الضحايا والشهداء السوريين لم تنخفض منذ ذلك الحين بما يوازي هذا التقدم, بل إزدادت كما تشير العديد من الإحصاءات. حسب بنود تلك الإتفاقية يجب أن تنتهي عملية التخلص من الأسلحة الكيميائية في نهاية شهر حزيران القادم.

ولكن غاز الكلور الذي إستخدم في كفر زيتا (محافظة حماة) في ١١ نيسان الماضي وأسفر عن أكثر من ١٠٠ إصابة, لا يقع على قائمة الأسلحة الكيميائية التي سيتم تدميرها. حيث أنه مادة معدة للإستخدام الصناعي وغير مصنفة كسلاح. مع ذلك فإن مصادر المعارضة السورية رصدت إستخدامه ضد المدنيين ١٢ مرة على الأقل منذ بداية العام الحالي.

كذلك فإن القنابل الفراغية التي أستهدفت إحداها مدرسة "عين جالوت" في آخر يوم من شهر نيسان لهذا العام في حلب وأدت إلى إستشهاد ٣٠ طفلا ليست مدرجة على قائمة المخزون العسكري القاتل الواجب تدميره. هؤلاء الأطفال كانوا يعملون على تجهيز معرض للرسومات في إطار حملة "بصمة أمل" التي حولتها القنبلة الفراغية إلى حمام دم. وكذلك البراميل التي دمر النظام من خلالها ثلث مدينة حلب وأسفرت عن مقتل الآلاف من البشر لا يمكن تصنيفها على أنها أسلحة كيميائية.

بل ربما يمكن القول أن السلاح الكيماوي هو الأكثر رحمة بضحاياه. حيث أنهم لا يعانون طويلا مقارنة بضحايا البراميل المتفجرة والقنابل الفراغية وضحايا الإعتقال والتعذيب في سجون النظام. إن أخطر وأفدح ما أسفرت عنه الحرب الدائرة في سوريا اليوم هي إستباحة الإنسان السوري أينما وجد, بعد أن دمرت العمران والمدن والبنى الإجتماعية.

  • حيث أن الإنسان المقيم في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام هو في أغلب الأحيان مجرد رقم. لا يدري أين سيكون في الساعة المقبلة. فهو معرض للإعتقال والتعذيب والقتل في أي لحظة. هناك عشرات القصص التي وثقتها المنظمات الإنسانية لحالات القتل تحت التعذيب. كما أن خطر الإعتقال والتصفية الجسدية لا يطال المعارضين للنظام فقط, بل يطال أيضا الموالين الذين قد يتم التشكيك في ولائهم تبعا لتضارب المصالح  بين أجنحة النظام.

  • أما الإنسان السوري في المناطق المحررة فهو وإن كان بعيدا عن خطر الإعتقال من طرف النظام  والتعرض للوفاة تحت التعذيب, إلا أن الموت في هذه المناطق يتم توزيعه بشكل عشوائي من السماء عبر طائرات النظام التي ترمي القذائف والبراميل, وعبر الصواريخ التي تحمل الهلاك بكافة أشكاله: الكيماوي وغير الكيماوي. ومن لا يطاله الموت الموزع من السماء, يكون عرضة له نتيجة للحصار والتجويع كما حصل ويحصل في مخيم اليرموك وجنوبي دمشق, أو نتيجة لغياب خدمات الدولة وضعف الخدمات البديلة في المناطق البعيدة عن سيطرة النظام, حيث هناك العديد من المناطق التي لم تصلها الكهرباء والماء منذ أشهر. وفي حال أصيب أحدهم بمرض ما فستكون معاناته مضاعفة. حيث من الصعب الحصول على العلاج المناسب لندرة المشافي المختصة, وعدم توفر الأدوية والتجهيزات اللازمة.  ومما يفاقم مأساة هذه الشريحة من السوريين وجود فصائل معارضة متطرفة تعمل على إعادة إنتاج ممارسات النظام تحت مسميات الثورة والدين, مما يجعل حياة الناشطين والمدنيين في تلك المناطق في خطر مستمر.

  • أما الإنسان السوري الذي قرر الهروب من هذه الظروف للبحث في الخارج نحو ملاذات آمنه, فسيصدم في أغلب الأحيان بقوانين معرقلة وشروط حياة غير كريمة. حيث أن معظم الدول تتعامل مع الإنسان  السوري كعامل زعزعة للإستقرار وكعبء مالي كذلك. وبالتالي يخضع السوريون في المنافي لظروف حياة قاسية, أجبرت العديد منهم إلى العودة للحياة تحت القصف في سوريا. هناك العديد من التقارير والأفلام الوثائقية التي قامت بتوصيف ضنك الحياة في مخيم الزعتري في الأردن وأحوال اللاجئين السيئة في اللبنان, وكذلك في مصر حيث يتم إعتقال الأطفال والنساء في بعض المناطق وحبسهم لمجرد كونهم سوريين . والنتيجة هي محاولة هروب السوريون من هذه الدول عبر قوارب الموت إلى أوروبا أملا بحياة أفضل.

لا شك بإن المسؤولية الكبرى والأولى عن ما آلت له الأوضاع اليوم تقع على عاتق النظام الذي إختطف الدولة واستعبد المجتمع. ثم دفع ثمن بقاءه في السلطة من دم السوريين ومن مستقبلهم. إلا أنه لا يمكن إعفاء المنظومة الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية من مسؤوليتها عن ما آلت له الأوضاع في سوريا اليوم. حيث وقفت الأمم المتحدة عاجزة في مجلس الأمن, ولم تستطع توفير المساعدة للمدنيين والأطفال المحاصرين في حمص وفي دمشق وريفها. ولم تعمل كذلك على إدخال المساعدات إلى المناطق الخارجة عن سلطة النظام, إلتزاما منها ببعض بنود ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بالحفاظ على سيادة الدول المشاركة, بينما تغض الطرف عن بنود أخرى متعلقة بضرورة حماية المدنيين.

ربما كان الموقف الدولي من القضية السورية صادم للكثيرين. مما ولد لدى عموم السوريين شعورا مريرا بالخذلان. فقد راهن الكثير من السوريين في بداية الثورة على أن العالم اليوم في القرن الواحد والعشرين لن يسمح بتكرار مجازر الثمانينات في سوريا أو تكرار مجازر راوندا وكوسوفو.

إلا أن الدول الحديثة شئنا أم أبينا تحكمها المصالح لا الأخلاق والمبادئ. فالأخلاق والقيم والمثل العليا هي لترشيد المواطن داخل هذه الدول ولضبط حدود علاقاته مع باقي المواطنين داخل الحدود. أما في التعامل بين الدول فلا يوجد هناك إلا لغة المصالح. لذلك فإنه قد يكون من الأجدى التفكير والبحث عن حلول تعمل على تخفيف معاناة السوريين عبر الإعتماد على المبادرات الأهلية والمحلية بعيدا عن الأطر الرسمية والسياسية. خاصة أن المأساة السورية قد تطول لسنوات عديدة نتيجة حالة المراوحة والتوازن العسكري القلق الذي ساهمت في إنتاجه التوازنات الدولية والأقليمية.


  • اسم الكاتب: غياث بلال
  • المصدر: مدونة الكاتب
  • رابط المصدر: اضغط هنا